مساء السابع والعشرين من آذار 2013، استمعتُ إلى معاليكم تتحدث إلى مشاهدي إحدى القنوات الفضائية العراقية. وقد لفتتني ملاحظاتكم حول دراسة طلبتنا في الجامعات الأوكرانية. تناسيتُ لوهلة أنّي والد أحد أولئك الطلبة وأني مُطَّلع تفصيلياً على دقائق شؤون الدراس
مساء السابع والعشرين من آذار 2013، استمعتُ إلى معاليكم تتحدث إلى مشاهدي إحدى القنوات الفضائية العراقية. وقد لفتتني ملاحظاتكم حول دراسة طلبتنا في الجامعات الأوكرانية. تناسيتُ لوهلة أنّي والد أحد أولئك الطلبة وأني مُطَّلع تفصيلياً على دقائق شؤون الدراسة هناك، فدخلَ في روعي أنّ مَنْ يتخرَّج في تلك الجامعات، وبخاصة الطبية منها، فاشل ولا ينبغي لنا أن نستأمنه على أرواح مواطنينا هنا في العراق. أجل سيدي.. لقد نجحتَ معاليكم في رسم هذه الصورة للمشاهدين الكرام. وكان دليلكم الأهم على استنتاج هذه الخلاصة هو أولاً: إنَّ معدل قبول الطلبة في كليات تلك الجامعات أقل بكثير من معدلات قبول أقرانهم في الجامعات العراقية؛ وثانياً: إنَّ الراتب الشهري الذي يتقاضاه الأستاذ الجامعي في أوكرانيا لا يتجاوز مئتي دولار أمريكي ما يدفعه إلى إنجاح الطلبة العراقيين (بفلوس).
اسمح لي معاليكم أن أُناقش هاتين النقطتين. معروف أنَّ معدل القبول في أي كلية هو معدَّل تنافسي وليس متطلَّباً من متطلبات الدراسة. بمعنى أنَّ المتقدين للقبول في كليةٍ ما، ولمحدودية المقاعد الدراسية فيها، يتنافسون في ما بينهم بمعدلاتهم فيفوز بالمقاعد مَنْ هم ذوو المعدلات الأعلى. ولا يعني إطلاقاً أنَّ شروط النجاح في تلك الكلية والتخرّج فيها هو في أنْ يكون حاصلاً على معدل للقبول بعينه. أي لو أنَّ عدد مقاعد الدراسة المعروضة كان أكثر لَقُبلَ عددٌ أكبر من الطلبة الذين لا ترقى معدّلاتهُم إلى ذلك المُعدل الذي حسبناه (معدلاً ذهبياً لا يمكن النزول عنه كشرط من شروط النجاح في الكلية والتخرج فيها). وطبعاً لدينا أدلّة كثيرة على هذه المقولة.. فهناك، كما تعلم معاليكم، عدد غير قليل من الطلبة الدارسين في الكليات الطبية العراقية في السنوات الماضية والآن ممَّن انتقلوا من جامعات عربية وأجنبية للدراسة في جامعاتنا وجميعهم، طبعاً، ذوو معدلات قبول أقل بكثير من معدلات أقرانهم .. وهم مع ذلك سائرون قُدُماً بنجاح وسيتخرجون كما يتخرَّج أصحاب معدلات القبول العالية والمواصفات ذاتها وستأتمنهم معاليك على أرواح مواطنينا. ينجحون ويتخرجون ليس لأنَّ التدريسيين العراقيين سيتساهلون معهم وإنما لأنَّ حقيقة الأمر هي هكذا: معدل القبول في الكلية لا يعني أنّه شرط من شروط النجاح والتخرج فيها. ودونك ما يحدث في الغرب المتقدم (أوروبا وأميركا).. حيث الدراسة هناك ليست بالمجان، وعلى الطالب أن يدفع أموالاً من أجل الحصول على فرصة للدراسة. هناك لا يوجد لديهم محدِّدات صارمة في ما يخص معدَّل القبول، بل ثمة شيء آخر وهو متطلبات للنجاح قاسية وعسيرة وعلى الطالب تلبيتها؛ فإذا ما نجح في ذلك فألف مبارك له وإنْ فشل فإنه لن يبقى لحظةً واحدة بعد فشله في الجامعة.. ولا يهمهم أبداً معدَّل قبوله.
أمّا في ما يخص الراتب الشهري الذي يتقاضاه الأساتذة في الجامعات الأوكرانية وهو لا يتجاوز المئتي دولار، وإنَّ ذلك لمدعاةٌ لارتشائهم وبيع ضمائرهم، أقول: هل بعنا ضمائرنا نحن الأساتذة العراقيين فأنجحنا طلبتنا دون حق إبان الحكم الدكتاتوري ، حيث لم تبلغ أبداً مرتباتنا الشهرية في أحسن أحولنا الأربعين دولاراً؟ وهل رواتب أساتذة الجامعات في معظم الدول العربية وفي جميع دول أوروبا الشرقية والهند أعلى من رواتب الأساتذة الأوكرانيين؟ هل باع أولئك الأساتذة ضمائرهم فأنجحوا طلبتهم دون وجه حق؟. وتعلم معاليكم أنَّ المستوى العلمي والحضاري في تلك الدول لا ندانيه نحن في العراق الآن لا من قريب ولا من بعيد.
والآن ينبغي لي كوالد أحد الطلبة الدارسين في أوكرانيا، أنا المطَّلع تفصيلياً على دقائق أمُور الدراسة هناك، أنْ أُنهي إلى علمكم ما اطَّلعتُ عليه.. وأنا واثق كل الثقة من أنَّ هذه الصورة لم توضع بين يدي معاليكم من قبل: ولدي طالب في كلية طب الأسنان في إحدى جامعات أوكرانيا. اليوم الأول في سنتهم الجامعية هو الأول من أيلول من كل عام ومَنْ يتأخر التحاقُه من الطلبة بعد ذلك اليوم يُغرَّم مبلغاً من المال عن كل يوم تأخُّر. هذه الغرامة تسري أيضاً على الطالب عن كل يوم يتغيَّبه خلال السنة الدراسية. تُنشَر المحاضرات سَلَفاً على موقع الكلية في الإنترنيت وعلى الطالب قراءتها ودراستها قبل يوم المحاضرة. أمّا في يوم المحاضرة المحدَّد فإنَّ الأستاذ سيشرح المحاضرة ويتدارسها مع الطلبة، وفي آخر ذلك (اليوم الدراسي) يجري امتحان للطلبة بمحتوى تلك المحاضرة. فإذا ما فشل الطالب في اجتياز الامتحان عليه أن يدفع غرامة مالية ثم يستمر في الدوام لذلك اليوم ساعاتٍ إضافية لدراسة المحاضرة والدخول في امتحان جديد (مساءً) حتى ينجح. عليه أن ينجح في جميع محاضرات المواد الدراسية التي تخضع لامتحانات يومية وإلاّ فإنّه لا يُسمح له في الدخول إلى امتحان نهاية الكورس. ثم يأتي الامتحان النهائي وإذا بهم يمنحون الطالب ثلاث فرص لا أكثر للنجاح.. ثلاث محاولات امتحانية تُجرى خلال ثلاثة أسابيع فقط. وعلى الطالب أن ينجح بإحداها. أمّا إذا فشل في النجاح بعد المحاولة الثالثة فإنّه يُفصَل من الجامعة مباشرةً ولا يُسمَح له بالدوام سنة ثانية. ولدي الآن في الصف الثالث. لقد دخل الصف الأول في هذه الكلية مع زملاء له عراقيين نافَ عددهم على المئة وإذا بهم الآن لا يتجاوزون العشرين .. بل أقل من عشرين طالباً بلغوا الصف الثالث.. لقد تم فصل ما يقارب التسعين الآخرين لفشلهم!!!. أمّا في الصف الثالث..فإنهم يخضعون في شهر آذار لامتحان شامل وزاري في جميع المواد التي درسوها في السنوات الثلاث.. أجل امتحان وزاري.. الأسئلة تأتي من وزارة التعليم العالي الأوكرانية وعلى أساس نتائج هذا الامتحان تقوم الوزارة لديهم بتقييم جامعاتهم وإعطاء المراتب لها وما يترتِّب على ذلك من تخصيص المساعدات المالية لإدارات الجامعات..الجامعة ذات المرتبة الأعلى في التصنيف تحصل على مساعدة مالية أكبر. أما مصائر الطلبة فمعلَّقة أيضاً بهذا الامتحان.. ينبغي للطالب أن ينجح في إحدى ثلاث محاولات تُمنح له وإذا ما فشل فإنَّه يُفصَل فوراً من الجامعة ويعود إلى بلده ولا يبالون قط بالسنوات الثلاث التي أمضاها بنجاح وبالأموال التي أنفقها خلال دراسته. وفي ما يخص الدروس العملية فلا أُزيد على الإتيان بمثال واحد فقط.. ولدي الآن وهو في الصف الثالث طب أسنان يقوم بمعظم العلاجات التي يقوم بها طبيب الأسنان في عيادته.. ولا يزال أمامه الصفان الرابع والخامس.
بربِّك معالي الوزير.. إنْ لم تكن هذه الدراسة رصينة فأية دراسة أخرى رصينة؟!.. إن لم تكن الجامعة التي تؤدّي هذا الأداء الجامعي رصينة فأية جامعة أخرى رصينة؟
إني لأتساءل على هذا النحو وفي خاطري جامعاتنا العراقية وفي مقدمتها جامعة بغداد طبعاً.
وفق الله معاليكم إلى كل ما فيه خير العراق والعراقيين وسدَّد خطاكم.
* تدريسي/كلية الصيدلة/جامعة بغداد










