TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > من سقوط الصنم إلى سقوط الحلم

من سقوط الصنم إلى سقوط الحلم

نشر في: 8 إبريل, 2013: 09:01 م

نطقت ابنتي مبكراً ، لكنها لم تكن  تحسن بعد  نطق اسم الصنم حين  سقط . صرت ابتسم حين تقول "عدام" ولا أصحح لها أو أطلب إليها خفض صوتها  أو أن تصمت . ليس عليها  وعليَّ وعلى أي شخص أن يصمت. " ولّى زمن الصمت " هذا ما صرت أكرره منذ

نطقت ابنتي مبكراً ، لكنها لم تكن  تحسن بعد  نطق اسم الصنم حين  سقط . صرت ابتسم حين تقول "عدام" ولا أصحح لها أو أطلب إليها خفض صوتها  أو أن تصمت . ليس عليها  وعليَّ وعلى أي شخص أن يصمت. " ولّى زمن الصمت " هذا ما صرت أكرره منذ رأيت  قناة  أبو ظبي يوم الثامن من نيسان عام 2003 ترصد  أقدام تلك الأم بجورابها الأسود  تبحث نائحة عن ولدها في أرض ناصعة البياض في مملحة الفاو  لتتركها وتمضي في البصرة الغاصة بجثث "الشهداء" كما يطلق البعض  على الضحايا، أو" القتلى " كما يصر بعض آخر. .

كانت  البصرة منشغلة بأحد أمرين ، العثور على  أحبتها أحياء أو أمواتا  في سجون حقيقية وأخرى وهمية وفي مقابر منفردة أو جماعية، أو ملاحقة .  من تسبب في تغييب المفقودين فضلا عن تدمير الذات عبر السلب وحرق الممتلكات العامة . وقد سارت بقية المدن على خطى البصرة في مشهد لطالما تكرر على أرض السواد .
ما الذي تعنيه لنا الحرية نحن المولودين في ظل  نظام شمولي ودولة قومية تمارس أُبوّتها بوصفها مالكة للحقيقة وقابضة عليها ؟ما الذي تمثله لنا مفردات مثل الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية  نحن الذين لم نكن نحلم بغير الخروج من نفق وجدنا أنفسنا في عتمته مذ غادرنا عتمة أرحام أمهاتنا ؟!. عراة كنا سوى من حلم أن نعيش مثل بقية الشعوب التي تعرّفنا عليها عبر الكتب والأفلام  ومن قصص الذين عبروا الحدود يوما . لم نكن نحلم بغير مدارس لا تضيق بتساؤلاتنا ولا تحشرنا بقوالب صنعت منذ مئات السنين وطالتها عوامل التعرية الأخلاقية ولم تعد مناسبة للاستعمال البشري . حلمنا بحدائق وشوارع مزدانة بالأشجار بدلا من بسطيات فاقة ومساطر عمال علقوا شهاداتهم الدراسية على جدران بيوت لا يمتلكونها في بلد مدرج على قائمة البلدان الغنية .  
حلمنا بدولة تخدمنا ولا تمنحنا حقوقنا بوصفها "مكرمات" ،  ولا يمنّ علينا حكامها بأنهم السبب في جعلنا نلبس أحذية بعد أن كنا حفاة  وأن الحياة لولا وجودهم لكانت مستحيلة وفي خطر . حلمنا بأن يكون لدينا ساسة ينشدون رضانا ولا يضيقون بملاحظاتنا ونقدنا .. ساسة يؤمنون أنهم مثلنا يصيبون ويخطئون وأن القانون فوقهم مثلما يجب أن يكون فوق الجميع . لا فرق بين رئيس وزراء وعامل خدمة يزيل الغبار عن مكتب رئيس الوزراء إلا بمقدار الالتزام بشرف المهنة وبالقانون. حلمنا بفرص عمل يحصل عليها من يستحق على وفق الكفاءة والاختصاص وبقضاء لا يوفر أحدا عند إحقاق الحق .
*****
في الأول  من نيسان  فكرت بأكبر كذبة عرفها القرن الجديد  فلم أجد أفضل  مما قاله الرئيس الأمريكي جورج بوش في خطابه الموجه للشعب العراقي إبان احتلال العراق " أيها العراقيون نتعهد لكم بأننا آتون إليكم بقوة لجلب الغذاء والدواء والحياة الأفضل "... كانت الكذبة الأكبر التي دشنت القرن الحادي والعشرين، إذ لم يتم  تناقل  كذبة  بهذا  الحجم وبهذا القدر  من السرعة والشكوك كما حدث مع هذه.
بعد مضي عشرة أعوام على إسقاط الصنم مازلت وجيلي نستعيد تلك الأيام ونفكر بصوت عال بما كنا عليه وما وصلنا إليه مع اعترافات  ومرارة ندم وتساؤلات من قبيل "هل ما لدينا الآن يستحق الثمن الباهظ الذي دفعناه ومازلنا؟".   مع كل عام صارت تساؤلاتنا تضيق وتنحصر بنقطة واحدة، لكن أي نوع من الحريات لدينا؟ بم تختلف الحرية الموعودة والديمقراطية التي بشرنا بها عن تلك التي بشرنا بها القائد الضرورة بعد  ما يسمى "عاصفة الصحراء" أو "أم المعارك" أو" حرب الخليج الثانية " : " سنمنحكم ديمقراطية لا مثيل لها " فصدق البشرى  بعضنا ودفع صديقنا الصحفي  ضرغام هاشم حياته ثمنا لتصديقه تلك الكذبة!
بعد عشرة أعوام من الوعود ومن  حكومة موقتة وأخرى انتقالية  واثنتين تشكلتا عبر الاقتراع والتوافق، مازلنا نناقش أبجديات حقوق الإنسان وبذل  الجهود في سبيل إيقاف قطار الدكتاتورية المسرع على قضبان الديمقراطية  لسحق الحريات المدنية وحرية التعبيرعبر إصدار قوانين وتقديم مشاريع قوانين  مقيدة للحريات أكثر منها منظمة وضامنة لها  كتبت بهاجس أمني يتعامل مع المواطن بوصفه قاصرا لا يفقه وقد تستغله  جهات  خارجية مشبوهة تشكل خطرا  على أمن البلاد والعباد ،ومن ثم فهو بحاجة إلى وصاية الدولة  والحكومة، الأب الذي يغدق محبته على من يطيع وغضبه على من يتمرد على سلطته  .
عشية الذكرى العاشرة لاحتلال العراق كتب الأستاذ علي عبد الأمير على جداره في فيسبوك معلقا على تصريحات مستشار الخارجية الأمريكي التي وجدها لا تختلف عن تصريحات وزير الأمن الإيراني في ما يتعلق بتأييد رئيس الحكومة قائلا "جميل أن يحدث هذا في الذكرى العاشرة للزواج الأمريكي الإيراني على فراش العراق .. المتعة لهما، أما للعراق فالنجاسة"!
بعد عشرة أعوام من إسقاط الصنم مازلنا نتلفت خشية أصنام تتناسل وتتكاثر، تضيق الخناق علينا في ما تبقى لدينا من خراب نعشقه اسمه العراق . بعد عشرة أعوام صار واضحا أن الأصنام التي تغذت على دماء الضحايا وسرقت الحلم أكبر من أن تسقط بسلاح  رامبو وأن ما نحتاج إليه  لتفتيتها  هو  ثيران مجنحة  وحدائق معلقة في زقورة  وروح إينانا الخصبة وحكمة جلجامش بعد سرقة عشبة الخلود .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. بيل

    المسئول عن 90% من خسائر الحرب العراقية الايرانية هو الخميني الذي رفض وقف الحرب حسب قرار مجلس الامن وكذالك اثناء الغزو الاسرائيلي لبنان سنة 82 ثم تقولون ا صدام كان دكتاتوري بالله احللفكم بالله كام دولة ديمقراطية في المنطقة حتى تركيا لم تكن ديمقراطية

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

 علي حسين بغض النظر عن شكل النهاية التي سيضعها القائمون على المسلسل الدرامي الطويل والمثير المسمى "لجنة التحقيقات " سواء فيما يتعلق بقضايا الاغتيال السابقة أو في لجنة التحقيق التي تشكلت لمعرفة قاتل...
علي حسين

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي

القانون الدولي: خرافة أم حقيقة؟

ألكسندر راؤول ترجمة : عدوية الهلالي كثيراً ما يُستعان بالقانون الدولي كضمانة، كمجموعة من القواعد التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول والحد من استخدام القوة. هذه الرؤية مطمئنة، إذ تُصوّر عالماً تحكمه معايير...
ألكسندر راؤول

تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران: العراق على حافة النار

عصام الياسري لم تعد الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و**إسرائيل** ضد أهداف داخل إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع طويل، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يهدد بإعادة تشكيل معادلات الردع في...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram