TOP

جريدة المدى > آراء وأفكار > في ذكرى نهاية الطاغية..هل انتهت صناعة الدكتاتور في العراق؟

في ذكرى نهاية الطاغية..هل انتهت صناعة الدكتاتور في العراق؟

نشر في: 10 إبريل, 2013: 09:01 م

في العام 2003 التقينا الدكتور عدنان الباجه جي بوصفه رئيس مجلس الحكم في حينه. وكنّا نترأس وفداً يمثل رابطة أساتذة جامعة بغداد بينهم المرحوم الدكتور حسين أمين والدكتور موسى الموسوي رئيس جامعة بغداد السابق، للمطالبة بمساواة أساتذة الجامعة في العراق بأقر

في العام 2003 التقينا الدكتور عدنان الباجه جي بوصفه رئيس مجلس الحكم في حينه. وكنّا نترأس وفداً يمثل رابطة أساتذة جامعة بغداد بينهم المرحوم الدكتور حسين أمين والدكتور موسى الموسوي رئيس جامعة بغداد السابق، للمطالبة بمساواة أساتذة الجامعة في العراق بأقرانهم في دول الخليج. وفي سياق الحديث طلبت منه توفير فرصة لعلماء النفس والأطباء النفسيين للقاء صدام حسين بهدف تحليل شخصيته، فأجاب بأن صدام هو الآن في عهدة الأمريكان..ثم التقينا الدكتور إياد علاوي وعرضنا عليه الطلب نفسه، فأجاب ضاحكاً:أستاذ قاسم هو ليش آني اكدر اشوفه لصدام حسين، فأجبته:إنك خصمه السياسي فيما نحن باحثون علميون، فردّ بلطافة:"حجي يفيدك".وضاعت علينا الفرصة بتطبيق اختبارات نفسية وإجراء تحليل علمي موضوعي لأقسى طاغية شهده تاريخ العراق الحديث.
 كنّا قبلها قد نشرنا موضوعا بعنوان :في تحليل شخصية صدام حسين عبرة للحكام والشعوب،جاء فيه إن شخصيته مركبة من أربعة أنماط: المتحدي والمتحمس والنرجسي والسايكوباثي..وإنه ظاهرة عربية واجتماعية وأخلاقية وسياسية ونفسية ساهم في صنعها ليس تأريخه السياسي والأسري والبيولوجي فحسب، إنما العراقيون والعرب أيضا(*).
 ولقد حفزنا ذلك الموضوع إلى دراسة شخصيات الطغاة في العالم (هتلر، موسوليني، ستالين، فرانكو،...) فوجدنا أن الجميع يشتركون في صفات محددة ،أبرزها:  قتل الخصوم بدم بارد،إشاعة الخوف والرعب ،انتهاك القيم الإنسانية والأخلاقية،احتقار المواطنين، السادية المفرطة في إذلالهم..والنظر إلى أنفسهم بأنهم أسياد وأصحاب سلطة مطلقة على شعوبهم..وإنعاش فكرة قديمة في اللاوعي الجمعي للناس بأن الحاكم الذي يتصف بالسلطة المطلقة والرهبة هو من طبيعة إلهية غير طبيعة البشر،وانه يحكم بتفويض من الله..وهذا ما كان سائدا في الخلافتين الأموية والعباسية..حيث يعدّ الخليفة نفسه سلطة الله في الأرض والمنفذ لأوامره..ومن يخرج على أمره يعد كافرا أو زنديقا..ولكم أن تتذكروا كم من العقول النيرة قطعت رؤوسها أو قطفت على طريقة الحجاج. والواقع أن الحكّام العرب في الأنظمة الحديثة ،ورثوا ما نصطلح على تسميته بـ(سيكولوجيا الخليفة)..وأحب خصيصة ورثوها عنهم أنهم ما كانوا يغادرون كرسي السلطة إلا يوم يخصهم عزرائيل بالزيارة..وأنهم ما كانوا يختلفون عنهم سوى أنهم (أفندية) لا يلبسون العمامة..
 ومشكلة الطغاة أنهم جميعا يعتقدون بأن الحق هو (القوة)..واعتقادهم بأنهم يمتلكون قدرات استثنائية أو خارقة ،وأنهم مميزون ،بما يعني تضخم الأنا لديهم.وطبيعي من الناحية السيكولوجية،أن من تجتمع به هذه الصفات فإنها تدفعه إلى استخدام العنف وإخضاع الآخرين وإذلالهم..لدرجة أنهم يعدّون إيقاع الأذى والألم بمن لا يمتثل لأمرهم أمرا مشروعا،ولهذا فهم لا يشعرون بتأنيب الضمير عندما يعذبون خصومهم أو يصفونهم جسديا..ولكم أن تتذكروا صور المقابر الجماعية للطاغية.
 وما يشغل الطاغية هو أن يجعل الناس أذلاّء تابعين له ،ويستخدم شعار (جوّع كلبك ..يتبعك)..ويشيع بين مواطنيه أجواء الرعب والبؤس والقهر..لأنه يشعر من الداخل بالخوف العصابي منهم، وأنه بهذه الطريقة يؤمّن حاجته إلى (الشعور بالأمن)..ليعيش في رفاهية مطلقة...وهذا هو حال كل دولة مستبدة تتعالى على أفراد شعبها.
 والمهم في هذه المناسبة(سقوط الطاغية في نيسان 2003) أن نلتقط..نحن الناس والذين هم في السلطة، العبرة من حدث كان يعد مستحيلا.,وأعني تحديدا أن نأمن جميعا من ظهور  دكتاتور أو طاغية جديد في العراق.
 إن تحليلنا، نحن المعنيين بعلم النفس السياسي والاجتماعي، يختلف عن تحليل السياسيين الذين يرون بأنه لا مجال لظهور دكتاتور في هذا الزمن الديمقراطي..فيما نرى أن هنالك أربعة مصادر قوية لظهور دكتاتور جديد في العراق،الأول يتمثل بالحزب المتنفذ في السلطة أو الكتلة السياسية المتنفذة في الحكم التي تحتاج إلى رئيس قوي يجعل أفراد هذا الحزب أو الكتلة يقولون له ما يحب أن يسمعه،ويأنف من سماع النصيحة.والثاني يتمثل بالعنف الطائفي..لأن الطائفة التي تشعر بخطر يتهددها من طائفة أخرى تحتاج إلى قائد تحتمي به..يتحول بالضرورة إلى طاغية(والعراقيون يجيدون هذه اللعبة  بامتياز)..وقل الشيء نفسه بخصوص المصدر الثالث المتمثل بالتعصب القومي.أما المصدر الرابع فيتمثل بالجماهير الشعبية التي تعشق القائد القوي..لاسيما ذلك الذي يعزف في خطاباته على أوتارها الانفعالية ويؤجج فيها مشاعر التوحد به والتحليق معه في عالم الأحلام والأوهام،على طريقة  الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.وليس هذا بمستبعد عن الجماهير العراقية الشعبية.ولنقل بالصريح إن هذه الجماهير كانت أحد المصادر في صنع الطاغية صدام حسين،لاسيما في مرحلة صعوده في السبعينات حتى وصل الحال إلى التمجيد والتأليه من قبل أساتذة جامعة ومثقفين وصفوة بأنه (هبة السماء إلى الأرض)..فيما الحشود الضخمة كانت تملأ الساحات..تهتف باسمه وتعدّه بطلاً استثنائياً.
 إن هذه المصادر الأربعة يمكن أن تسهم في صناعة دكتاتور جديد في العراق.وعلينا أن ندرك أن منع أو غلق الباب أمام عودة طغيان السلطة..ليس مشكلة حاكم،لأن الحاكم تغريه السلطة والثروة..وتحوله تدريجيا إلى طاغية..إنما هي مشكلة شعب..لأن شعوبنا العربية هي التي تصنع الطغاة..والعراقيون كانوا أحد أهم المصادر التي صنعت من صدام حسين طاغية،وإن عليهم أن يكفوا عن تمجيد الحاكم ،وأن يغسلوا لا شعورهم الجمعي من فكرة "الرمز" و"البطل المخلّص"،وأن على الحاكم أن ينظر إلى رئاسة الدولة على أنها وظيفة يشغلها زمنا محددا ..وأن يحقق من يتولى إدارة النظام الديمقراطي..الأمن والرفاهية للناس لا أن يجعلهم يترحمون على زمن طاغية أذلّهم.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. علي الخزعلي

    واضيف الى الاسباب التي ذكرتها هو الرمز التاريخي والثروه النفطيه التي تحتاج البطانه التي تحيط بالقائد الى الاستمرار في مكانه للحفاظ على امتيازاتهم

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

التصحر: معركة العراق الخاسرة

العمود الثامن: ابراهيم عرب في البرلمان

حميد مجيد موسى (أبو داود) في ميزان الصداقة

نحو استرداد العقل العراقي: لماذا لا ننهض علمياً الآن؟ وكيف نكسر القيود؟

العمود الثامن: ضد واشنطن .. مع واشنطن

العمود الثامن: ‎من قتل ينار محمد ؟

 علي حسين بغض النظر عن شكل النهاية التي سيضعها القائمون على المسلسل الدرامي الطويل والمثير المسمى "لجنة التحقيقات " سواء فيما يتعلق بقضايا الاغتيال السابقة أو في لجنة التحقيق التي تشكلت لمعرفة قاتل...
علي حسين

كفى إستهانة بخطر التلوث الإشعاعي لذخائر اليورانيوم !

د.كاظم المقدادي (1 - 2) أنتج إستخدام أسلحة اليورانيوم المنضب تلوثاً إشعاعياً واسعاً، وخلف اَلاف الأماكن المليئة بالركام المشع، في أرجاء العراق.وقد نجم عن الإشعاع أضرار بيولوجية جسيمة. بالمقابل لم تكن إجراءات الحكومات العراقية...
د. كاظم المقدادي

القانون الدولي: خرافة أم حقيقة؟

ألكسندر راؤول ترجمة : عدوية الهلالي كثيراً ما يُستعان بالقانون الدولي كضمانة، كمجموعة من القواعد التي تهدف إلى تنظيم العلاقات بين الدول والحد من استخدام القوة. هذه الرؤية مطمئنة، إذ تُصوّر عالماً تحكمه معايير...
ألكسندر راؤول

تداعيات الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران: العراق على حافة النار

عصام الياسري لم تعد الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة و**إسرائيل** ضد أهداف داخل إيران مجرد عملية عسكرية عابرة في سياق صراع طويل، بل تحوّلت إلى حدث مفصلي يهدد بإعادة تشكيل معادلات الردع في...
عصام الياسري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram