TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > زها حديد شاعرة العمارة التفكيكية وسيدة الابتكارات المدهشة

زها حديد شاعرة العمارة التفكيكية وسيدة الابتكارات المدهشة

نشر في: 8 يونيو, 2013: 10:01 م

القسم الأول
"علمتني التجارب أن علينا تغيير أسلوب تفكيرنا بين الفينة والأخرى لتناسب اللحظة التي نعيشها"  .. زها حديد
تبدو مقولتها الصلبة هذه شذرة أساسية  في  بناء شخصيتها  العبقرية  إذ لولا تطور  زها حديد  الفكري المتواتر بين برهة وأخرى ومثابرتها  لتتواءم  كل آونة مع  اللحظة المتزامنة معها - لما  تمكنت من تحقيق مشاريعها الأسطورية  على أرض كوكبنا  المحتشدة  بالتحديات والعوائق ، حتى ليبدو التجدد والتغيير  من أبرز  ركائز  شخصية زها حديد  التي لا تتوقف  أفكارها عند منحنى زمني  أو  أسلوب صياغة محدد أو رؤيا مستقرة فهي المتجددة المبتكرة التي توظف شطحات مخيلتها الابتكارية والرياضيات في صنع عالم ما بعد حداثي بهيئة  مبانِ  معاصرة  وكلما غيرت أسلوب عملها ازدهرت مخيلتها وتجسدت  أحلامها أشكالا عجائبية.            
لو كتبت زها حديد الشعر  فماذا ستكتب لنا ؟؟  أي ضرب من الانزياحات اللغوية  ستقدم في قصيدتها الهندسية المنسابة والمعقدة و ما الذي ستقوله سيدة  الأشكال الفضائية اللامألوفة  والمتجاوزة  ؟؟
   حققت زها انسيابية الأشكال وأدمجتها بالطبيعة على نحو بالغ الغرابة في  الهندسة ما بعد الحداثية وبالذات الأعمال التفكيكية التي تعمد الى تحطيم الشكل  ونثر اجزائه على نحو تجريدي غامض بمنحنيات تخلت عن الاشكال المكعبة ، وتذكر زها حديد  أن أستاذها " كولهاس"  أحال التجريد الشكلي وانسيابيته والقدرة على الاستعانة بالمنحنيات إلى نمط الخط العربي وتجريداته إذ وجد ان زها وزملاءها العرب والإيرانيين الطلاب في قسم المعمار هم الأقدر على ابتكار المنحنيات في تصاميمهم  وعزا ذلك الى تأثرهم بالخط  العربي .
ترى من أين استلهمت شاعرة الهندسة سحر اعمالها الغرائبية وإحساسها  بالفضاءات اللامحدودة ؟؟ أهي تجارب وخبرات الطفولة والتربية المستنيرة ؟؟     تعترف زها حديد  بذلك  وتشير إلى سنوات طفولتها وصباها في العراق فتقول "تلقيت تربية عصرية في العراق، واستفدت من تربية والديّ المستنيرة لي ودعمهما غير المشروط، كانا ملهمين كبيرين لي وعلمني تشجيعهما الثقة بإحساسي مهما كان غريبا"   
 هذه المبدعة التي رفعتها أعمالها المبهرة إلى مصاف أساطين العمارة   المعاصرين  لتنال على منجزاتها  جائزة "بريتزكر " أرفع جوائز  العمارة وتذكر مع أعلام العمارة العالميين، تأثرت  كما تأثر جيلها- بأعمال "اوسكار نيمايير " المهندس البرازيلي واشهر معماريي العالم مبتكر مدينة برازيليا وشغفت بإحساسه الطاغي بالمساحات والفضاءات وألهمتها أعماله لتبتكر أسلوبها المعروف بانسيابية الأشكال مترسمة خطاه التعبيرية في التجديد المعماري إضافة إلى ما لدى زها حديد  من ذخيرة بَصَرية اختزنتها ذاكرة طفولتها عندما  اصطحبها والداها وهي ابنة سنوات ست  الى  معرض أقيم في بغداد -  سنة 1956 لأعمال المعمار العالمي ( فرانك لويد رايت)  فانبهرت  بالتصاميم والصور الفوتوغرافية التي تجسد اعمال  "رايت" وترسخ في أعماق وعيها  الطفولي شغف  شعري بجمال الأشكال الهندسية كما أنها  لابد تأثرت  على نحو لا واعِ   بالشكل الهندسي للنخلة التي تخترق الفضاء بانسيابيتها ورشاقتها لتشكل كرة خضراء هندسية متكاملة وتندغم  بالسحب والنجوم ، ولا تنكر  زها حديد  انبهارها  في صباها المبكر خلال رحلات العطلات مع والديها بالمشهد الطبيعي لأهوار العراق وانسحارها بحركة الرمال وتمازجها مع المياه وتداخل  الاثنين  مع الحياة البرية النباتية والحيوانية المتواشجة مع  الأفق  والمندمجة مع  البنايات والبشر في  المشهد ذاته ،هذا العنصر المهم في موضوعة اندماج الطبيعة مع المشهد الحضري الذي غذى طفولتها  بترابط العناصر واندماج المدينة العراقية بالبساتين والمزارع والأنهار وهو الذي وسم أعمالها بالانسيابية المتضافرة مع تعقيدات هندسية معاصرة .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 2

  1. خالد السلطاني

    شكرا جزيلا ، ايتها السيدة المحترمة، لهذا المقال الجميل عن زهاء وعمارتها المميزة. انه مقال ذكي وممتع وينقل لنا بصدق مقاربة زهاء المعمارية. شكرا مرة اخرى. استثمر هذه الكلمات لاضيف او بالاحرى لاصحح اسم المعمارة. ان اسمها الاصلي:زهاء، وعندما كتب بالانكليز

  2. حيدر جمعة

    شكرًا أستاذة لطيفة لهذا المقال الرائع عن سفيرة العراق في العلم أما ان الأوان للحكومة العراقية ان تكريمها او الاستفادة من خبرتها في بناء العراق

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram