أكدت لنا التجارب ، أن الاحتراف بالنسبة للاعب العراقي لا ينطلق غالباً من رغبة في التطوير أو بحثٍ عن أفق أوسع للنجاح .. فالمهم دوماً شيء من المكاسب المالية ولا يهم إلى أين ترسو السفينة بعد ذلك .. وما عدا بعض الحالات القليلة الاستثنائية فإن كرة القدم العراقية ، وأعني بالذات منتخبها الأول ، لم تلمس حتى الآن تلك الثمار الموعودة التي يقال إن الاحتراف يأتي بها كنتيجة في خاتمة المطاف أو في أوله !
بعد الصولة المميزة لجيلنا الشبابي الصاعد في مونديال تركيا ، يعود حديث الاحتراف والمحترفين ، وتعود معه المخاوف ، نظراً لتعلق الجمهور العراقي ، في المقام الأول، بنجومه الذين عايشهم وهم يولدون على أرض عالمية صلبة ، ثم صار يفتقد بعضهم وهم ينتقلون إلى أرضية الإحتراف الرخوة في دول ليس فيها احتراف أو ملاعب أو دعم وليس فيها لاعبون قادمون من دول أخرى .
هذه مخاوف لها ما يبررها بالفعل ، فقد كانت حظوظ اللاعبين العراقيين الاحترافية تتفاوت بين الذهاب إلى فريق غير ذي شأن في دوري مهم ، وبين الانضمام إلى فريق قوي وجماهيري في دولة يفوقها العراق تطوراً في مجال كرة القدم .. ومنذ دخول اللاعب العراقي مجال الإحتراف مع بداية العقد التسعيني من القرن المنصرم ، ونحن نفتش عن تلك التجربة المتكاملة أو المثالية أو المقنعة التي عاشها نجم واحد من بين العشرات من النجوم الذين تنقلوا بين عشرين دولة عربية وأجنبية ، لكننا في نهاية المطاف لا نجد سوى التجارب القاصرة التي تعود بنفع ذاتي أو شخصي قليل في مقابل خسارة اللاعب لرصيده الفني أو الجماهيري أو حتى خسارة مكانه في صفوف منتخب بلاده ، ثم تمر الأيام بطيئة متثاقلة ليجد نفسه بعد ذلك وقد ودع ملاعب الكرة من دون أن يحقق ذلك النجاح العريض الذي كان يحلم به حين دخل المعترك الكروي في بواكيره الأولى !
المشكلة هذه كانت تقض مضاجع كل حريص على الكرة العراقية في العهود التي مضت ، كما أن إيلامها يصل إلى الموسم الأخير الذي تواجد فيه عدد مهم من اللاعبين العراقيين في فرق خارجية ، فيما يعاني المنتخب من ثغرات مزمنة ناجمة عن استحالة الإفادة من أي لاعب نجم نشأ في أصعب الظروف وأصبح فارساً في فريقه العربي أو الأجنبي ، بمعنى أنه أصبح فارساً في ميدان غير ميدانه الذي يمكن أن يستعرض فيه بطولة مآثره وينال فيه البطولة الحقيقية !
من هذه النقطة علينا أن نبدأ في التعاطي مع احتراف علي عدنان أو مهند عبد الرحيم أو فرحان شكور أو سيف سلمان ..علينا أن نحفظ لهم مسارهم الاحترافي المرتقب كي نحافظ على مواهبهم .. لقد عشت بنفسي في تركيا ( هجمة ) سماسرة متمرسين بعقود يسيل لها اللعاب .. بعضهم يمثلون أندية عربية وهذا ما لا نشجع عليه أبداً ، والبعض الآخر يمثل أندية تركية وهذا ما ندعو الى دراسته بتأنٍ وتبصّر ، حتى لا تقع القلة الموهوبة في براثن احتراف غير مدروس سيعني التهشم والتشظي ومن ثم التلاشي.
لدينا القدرة في كل مرة على صناعة اللاعبين دونما توقف ، لكننا في قرارة أنفسنا نميل بعد ذلك إلى الشعور بالمرارة ، لأن مواهبنا تضيع ، ونجومنا يهدرون بريقهم في أمكنة مظلمة لا سبيل إلى إضاءتها بالفن الكروي .. تلك معضلة كل جيل يبرز ، فهل سنتعلم الدرس هذه المرة ؟
حذارِ.. من الموجة الجديدة!
نشر في: 21 يوليو, 2013: 10:01 م










