TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > سائق القطار العراقي

سائق القطار العراقي

نشر في: 31 يوليو, 2013: 10:01 م

من المؤكد أن رئيس مجلس الوزراء يمتلك أكثر من جهاز تلفزيون. ومن المؤكد أنه يشاهد كيف تتعامل الحكومات مع الكوارث التي تتعرض لها بلدانها. وأكيد أنه تفرج مثلنا على ملك إسبانيا البالغ من العمر 75 عاما، وهو يعتذر دامع العينين لشعبه عن حادثة القطار السريع التي راح ضحيتها 67 قتيلا، البعض منهم لا يحمل الجنسية الإسبانية.. وأن الرجل الذي يعاني من آثار عملية جراحية في عموده الفقري ذهب بنفسه إلى مكان الحادث ليشد من أزر عمال الإنقاذ قائلا لهم: "إنكم قدمتم النموذج الحي للمواطن الإسباني".. فيما الحكومة الاسبانية تعلن الحداد ثلاثة أيام وتلغى واحدا من الاحتفالات الدينية، وحتما ان القائد العام للقوات المسلحة أدار مفتاح الراديو امس ليستمع إلى مذيع الأخبار يقول: ان المحكمة وجهت 99 تهمة بالقتل لسائق القطار الإسباني المنكوب.
67 ضحايا قطار إسبانيا السريع، وقفت العائلة المالكة الإسبانية ومعها الملايين تذرف الدموع لأجلهم، فيما رفض قادتنا الأمنيون الأشاوس عبور عتبة البرلمان ليجيبوا عن سؤال: لماذا في شهر حزيران الماضي فقط، قتل 761 عراقيا، ولماذا تتحول بيوت العراقيين إلى مقابر جماعية؟
في الأيام الماضية عاشت إسبانيا بأجمعها ملحمة بشرية في الدفاع عن قيمة الحياة، كان فيها المتضررون من نزق سائق القطار، يعيشون الأمل بأن ساستهم ومسؤوليهم لا يمكن ان يتخلوا عنهم.
وأنا أتابع حادثة قطار إسبانيا كنت أقول لنفسي: ما الذي سيفعله ساسة إسبانيا المشغولون باستجواب رئيس الوزراء عن مصير تبرعات قدمها رجال أعمال إلى حزبه قبل الانتخابات. فقدم لي الملك الإسباني العجوز الجواب الشافي، من خلال دموع تقول للشعب:لاخيار، إما تحمل المسؤولية أو الذهاب في عتمة النسيان. فيما مسؤولونا يؤكدون لنا كل يوم ان لا أمل في الخروج من ظلام العنف والقتل على الهوية، والمحسوبية واللصوصية.
اعتذار ملك إسبانيا يقول،إننا لن نسمح بفقد مواطن واحد. فيما نحن نعيش في ظل ساسة مصرين على ان ينقلونا من أحضان الحياة إلى أحضان الخوف والموت والدمار..
سائق القطار الإسباني محاصر بـ99 تهمة، فيما سائق قطارنا يعيش مأزوما يتمادى في الإنكار، ويستسهل إلقاء المسؤولية على غيره، ويعلق الفشل على الشماعة تلو الشماعة، حتى تصير مهمته البحث الدائم عن الشماعات.
التفجيرات اليومية شماعة.. المؤامرات التي في تحاك في الظلام شماعة..الأجندات التي تعيق تنفيذ الخدمات شماعة، شماعات يتشبث بها سائق القطار العراقي هو ومقربوه.. فنراهم في كل أزمة يطلقون سيلا من الاتهامات المبهمة.. يريدون ان "تلتهي" الناس بأحاديث مطاطية، عن الفشل الذي لا يتحمله أحد، وعن السعادة التي كانت في انتظار الشعب لو ان الكتل السياسية الأخرى اختفت من الوجود، وعن الشهرستاني وخداعه، والميليشيات التي تحرس السجون، وعن الذين يسرقون أموال الشعب بغفلة من سائقنا الهمام، الذي نراه متردداً ولا يجيب حين يقال له، بأن إجراءات لابد ان تتخذ ضد كل من يثبت خرقه للقانون، وأن عليه أن يقدم معلوماته إلى القضاء لمحاسبة كل من تآمر على دماء العراقيين وثرواتهم.
لكن لا أدلة ولا هم يحزنون، وسائق القطار بيده مصائر الناس، يريد ان يصور لهم ان عجزه عن تقديم الخدمات وتوفير الأمن، يعود إلى حكومة الشراكة، فسائق القطار يذرف الدموع أمام الفضائيات، لأنه لا يملك سلطة على مؤسسات الدولة، كما أخبرنا مؤخرا، وبالتالي فأفكاره في بناء دولة متطورة، لا تجد من يطبقها بأمانة وحرفية.. فمعظم المؤسسات والوزارات تتآمر عليه. أليس هذا عذراً أقبح من كل الذنب؟!
مئات القتلى كل شهر، وسائق القطار وجماعته يروجون لإنجازات وهمية من عينة "الخروج من الفصل السابع " وإجبار الأمريكان على مغادرة العراق. حتى كاد البعض من المقربين، يطالبنا بأن نحتفل كل يوم، لأن السائق كان شديد البأس والعزم وهو يقول لأوباما، لا مكان لك في أرضنا المقدسة.
دعك مما جرى بعد ذلك من كتابات وهتافات بحياة السائق ومقربيه، لكن كيف تسنى لك أيها الراكب المسكين ان تصدق أن هناك مؤامرات تحاك في الظلام لإجهاض التجربة الديمقراطية الرائدة، وأن سائق القطار الذي تحول بين ليلة وضحاها إلى أهم قائد جيش في تاريخ المنطقة، يمتلك خبرة عسكرية تسمح له بإدارة المعارك ووضع الخطط دون الاستعانة بوزراء للدفاع والداخلية والأمن الوطني.
والآن دعونا نتساءل بعد كل ماجرى الأسبوع الماضي، هل سائق القطار يحترف البحث عن الشماعات لطرحها علينا كأي مأزوم يختار الحل الأسهل.. أو أنه لا يملك قراره كما يقول؟ في الحالتين هو مدان، وما تحدث به مؤخرا هو دليل إضافي على مزيد من الفشل.
عودوا إلى كلمات ملك إسبانيا.. ودققوا جيدا في آخر أحاديث سائق قطارنا وهو يبرر الفشل والإخفاقات، واسألوا أين نحن، بعد عشرة أعوام من الكلام عن الرفاهية والسيادة والمستقبل المشرق، وحكومات الشراكة، والمحاصصة اللطيفة، وسيادة القانون!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 4

  1. فراس فاضل --السويد

    اخى على حسين ----هذا هو الفرق بين الاسلام والكفار بين العلم والجهل بين التمسك بكرسى الرئاسه وبين خدمة الشعب ---تحياتى

  2. سليم رحمن

    مقالك جميل لكن هنالك بعض التفصيلات المبالغ بها لما حدث في اسبانيا لاني اعيش في اسبانيا فكاتب المقال الذي لايفقه شيئا في الاسبانية كتب تفصيلات ارتجالية

  3. محمود

    احسنت اخي العزيز

  4. أبن الوليد

    لاتيأسو من رحمة الجبار جل جلاله أخوتي فالرحمان كريم ولا تنسون يوم لك ويوم عليك فأبشرو بما يسر الخاطر ويدمع العين من الفرحة قريبأ بأذن الرحمان جل جلاله .. وستذكرون ماأقول لكم .

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: يوم المليون

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram