TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > هل الشعر العربيّ القديم ميزوجينيّ (كاره للنساء)؟

هل الشعر العربيّ القديم ميزوجينيّ (كاره للنساء)؟

نشر في: 6 سبتمبر, 2013: 10:01 م

ما نترجمه عادةً في العربية بالمحبوبة والمحبوب هو مفردة فرنسية مركَّبة (bien-aimé) ظهرت في الفرنسية عام 1417، وتعني الأعَز، المُفضَّل على الجميع. ونقيضها (mal-aimé) التي لا نجرؤ على ترجمتها بالمكروه، إنما بـ "المحبوب بشكل سيئ"، أو بصعوبة "غير المحبوب". هذا المدخل الاشتقاقيّ يتعلق بمفهومين وموقفين من الحب في ثقافتين مختلفتين.
في القاموس العربي، لسان العرب، لا تبدو المحبوب في النطاق الدلاليّ ذاته، فهي تُوْضَع في تضادّ حادّ مع المكروه "في حديث عبادة: بايَعْتُ رسول الله على المَنْشَطِ والمَكْرَه؛ يعني المَحْبوبَ والمَكْروهَ" أو "إنما سُمّيَ الشرُّ مَكْروهاً لأَنه ضدّ المحبوب".
وحسب استقصاءاتنا لم تظهر مفردة (المحبوب) و(المحبوبة) في المعلقات الشهيرة. لذا يمكن الزعم أن العربية لم تستخدم المحبوب بمعنى المُحَبُّ – بفتح الحاء- إلا في فترة متأخرة نسبياً، مثلما في كتاب الجاحظ "الحبيب والمحبوب والمشموم والمشروب" وفي استخدامات المتنبي: "أَنـتَ الـحَبيبُ وَلَـكِنّي أَعـوذُ بِهِ مِـن أَن أَكـونَ مُـحِبّاً غَيرَ مَحبوبِ". وفي الشعر الصوفيّ بالطبع.
لعلّ "كتاب الزهرة" لأبي بكر محمد بن داود الظاهري المتوفي عام 909م، من المصادر الأساسية في المُحِبِّ والمحبوب، جوار كتاب ابن حزم الأندلسيّ.
كان شخص المحبوب مُتَشَيِّئاً تقريباً، وكان بشكل عام موضوعاً لجميع الخيالات والأحلام والرغبات والإسقاطات الذكورية. كان المحبوب سالباً، يقع الفعل عليه ولا يقوم بفعل مماثل إلا نادراً. مع ملاحظة أن (المحبوب) بالمذكِّر استخدمت كثيرا في مخاطبة (المحبوبة). وفي الأوقات المتأخرة اتخذ استخدام المفردة طابعاً مِثليّاً، كما في قول عبد الغني النابلسي:
أقسمت عليك أيها المحبوب
أن تسمح لي فوصلك المطلوب
أرسل منك القميص مع ريح صبا
يا يوسف عصرنا أنا يعقوب
إن وفرة حضور مفردة المحبوب والمحبوبة في الشعر العربيّ، لا يعني بالضرورة، على المستوى السوسيولوجيّ، تقديراً عملياً عميقاً للنساء أو مشاركتهن الفاعلة العلنية الحرّة في النشاط العاطفيّ مثل أقرانهن الرجال، إلا في حالات نادرة، وفي أوساط محدّدة كالإماء والجواري. الأدب العربيّ يتأرجح بين مُحِبٍّ ومحبوب مُعْلَنين بكثرةٍ في الشعر، وريبة وإخفاء مُضْمر أو صريح للنساء. لا توجد مفردة واحدة في القاموس العربي تعادل المفردة ذات الأصل اليوناني (misogynie) التي تعني الشخص كاره النساء. وتتكون من (misos) = حقد و(gyné) = امرأة والأخيرة نجدها حتى الآن في تسمية طبيب النسائيّات (جينولوغ gynécologue).
لا توجد مثل هذه المفردة في العربية، لأن تاريخ الأدب العربيّ ينطوي على نزعة ميزوجينيّة عميقة مطمورة، غير مُعْترَف بها. من الصعب، ما عدا حول قضية الحب التي يتشيء فيها المحبوب، أن تجد الكثير من النصوص في مدح النساء، لإن المطالع الغزلية هي أنظمة معيارية وشكلية للعمود الشعريّ، وهي لا تصلح دليلاً على حضور وجوديّ فاعل للنساء. ردّ فعل النساء على ذلك لم يكن غائباً (انظر كتاب "بلاغات النساء" للطيفوري مثالاً) لكنه قُمِعَ بقوة. هناك نصوص ليست ميزوجينية بالطبع لكنها لا تعادِل كميّاً ونوعياً النصوص الميزوجينية. ليس من المصادفات أن يجمع محمد مظلوم في "ديوان رثاء الزوجات: من الشعر السومري إلى قصيدة النثر" (دار الجمل 2013) القصائد التي قيلت في موضوعٍ يخترقُ عن جدارة الميزوجينية هذه، وهي قليلة دون شك في الشعر العربيّ الكلاسيكيّ.
هذا الأمر خلافيّ، ويستحق تدقيقاً.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram