TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > مثقّفو الفضائيات

مثقّفو الفضائيات

نشر في: 13 سبتمبر, 2013: 10:01 م

سخر السيد وليد جنبلاط، مؤخراً، من تحوّل معظم أركان الطبقة السياسيّة إلى محللين جيو ستراتيجيين ارتقوا إلى مرتبات التخطيط والتفكير والتأويل حيال المتغيّرات الكبرى والتحولات الاستثنائيّة في الشرق الأوسط والعالم، وتبرّم من زحام شاشات التلفزيون "بالمئات من الضباط المتقاعدين والمحللين العسكريين من ذوي القدرات الهائلة والطاقات المتفجّرة في قراءة المعطيات والمواقف الدوليّة وانعكاساتها الستراتيجية والتكتيكيّة". ولعله نسيَ مثقفي الفضائيات من أساتذة الجامعات وحملة شهادات الدكتوراه الذين يشكّلون ظاهرة استثنائية أخرى.
وأحسب أن هؤلاء المثقفين يعكسون وجهاً من الوجوه الخفيّة لنمطٍ سائدٍ من أنماط المثقف العربيّ الذي تكمن قدرته في إمساك العصا من وسطها في جميع الحالات والظروف والمتغيرات، وتقديم خطاب يتسم، بشكل عامٍ، بعدم إزعاج سياسات المنابر التي يظهر فيها، لكن بقناع الرجل المزوَّد بالحجة والمنهجية. وبالانتقال من منبر لآخر يمكن لهذا النمط من الخطاب أن يغيّر بعضاً من مفرداته وفق المرغوب به هنا أو هناك.
مثقف الفضائيات يسيطر على فن صياغة تعابير تُرضي الجميع، وفي الوقت نفسه يبدو عارفاً وموضوعياً وغير متحيّز، حتى لو كان الأمر يتعلق بأعظم الجرائر في التاريخ البشريّ. مثقف براغماتيكيّ بالمعنى الذي يمكن أن يأخذه المصطلح في العالم العربيّ. و(نسخة عربية) من معلّقي كبريات الصحف الأمريكية والأوربية.
ومثل مثقفي الصحافة الرسمية اللاهثين خلف للحدث، بلا استشراف للآتي، ولا تقديم توقّعات محسوبة للقادم، والسائرين وفق توجهات صارمة لتطبيق استراتيجيات بلدانهم، يتمسك مثقفو الفضائيات بالنتائج الأخيرة للأحداث، في تجاهلٍ واضح لمسبباتها الأصلية، أو في نسيان متعمّد لأسبابها. الحدث السوريّ خير مثال على ذلك. وفيه ينشطر "المثقف الفضائيّ" إما إلى تحريضيّ، دعائيّ يرى وجهاً واحداً من الصورة، طامساً بالعمد جميع العناصر الأخرى المكوّنة لها أو مهمّشا إيّاها، وإما إلى (عملياتيّ) صارم لا يرى سوى النتائج الأخيرة وينطلق منها في التحليل. هذا الأخير يرى فقط "الفأس في الرأس" ولا يرى "كيف وقعت" الفأس في الرأس. كلاهما يتطابقان في نقطة واحدة هي أنهما يتابعان مزاج الفضائيّة التي يتكلمان فيها، أو المزاج العام المهيمن المصنوع صناعةً اليوم في العالم وفي المنطقة العربية بحكم آليات لم تعد تخفى على أحد.
في الحدث العراقي أيضاً، يظهر هذا الخطاب القادر على الحديث عن كل شيء ، في لغة تتسم بالنمطية، ولا تغيّر من استراتيجياتها النصية سوى تفاصيل الواقعة، وبالسير دوماً وفق خطاب ومصطلحات مهيمنة معروفة، محلياً وعربياً. من النادر أن نرى محللاً يمتلك أدوات شخصية ورؤية ذاتية. كأننا أمام نسخ متكررة من عمل واحد أصليّ.
المشكلة في ذلك كله أن هذا المثقف يغدو تابعاً وليس صانعاً. وفي أسوأ الاحتمالات مبرّراً للواقع وراضياً بنتائج صُنّاع السياسات وليس محللاً وناقداً لها. نرى هذا الأمر اليوم بشأن الضربة العسكرية المتوقعة لسوريا. إذ بثقة كبيرة وبلغةٍ تودّ أن تكون موضوعية مُفْحمة، يريد منا الاعتراف فقط بالنتائج التي آلت إليها الأوضاع في سوريا، وبالتالي القبول بالضربة رغم إدانته مثلنا لقمع وظلم وقسوة النظام السوريّ، ضارباً بعرض الحائط المسائل الإنسانية والأخلاقية التي لن يستطيع مثقف ذو ضمير حيّ تجاهلها، ناهيك عن تأجيل التحليل بالدوافع العميقة، العربية والعالمية، التي قادت حثيثاً إلى المآل الأخير للأحداث.
إن تناوُل المآل الأخير ليس رديفاً وحيداً للموضوعية، لأنه سيبدو، في الحالتين العراقية والسورية، وكأنه قبول بالستراتيجيات الكبيرة المُخطَّط لها للمنطقة، بالقوة وبسلطة المال والميديا. لهذا السبب يمكن الاستنتاج أن بعض مثقفي الفضائيات يشكّل جزءاً من لعبة الميديا المعقّدة لكن الملعوبة لصالح الصناع الكبار في الغالب الأعمّ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

تجمع تجار العراق يعلن إغلاق الأسواق احتجاجاً على الرسوم الكمركية

لقاح مبتكر للإنفلونزا قابل للتعديل حسب السلالة

عُمان تجري مشاورات منفصلة مع إيران وأميركا لتهيئة استئناف المفاوضات

تحرير مختطف واعتقال 10 من خاطفيه في النجف

انتهاء المرحلة الأولى من مفاوضات واشنطن وطهران

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي يتظاهر.. المالكي يتحاور!

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

 علي حسين خرج علينا السيد نوري المالكي بتصريح مثير اخبرنا فيه ان " سوربا آذتنا كثيرا يوم كان بشار الأسد رئيسا صارت مركزا للتدريب وممرا لكل الإرهابيين الذي دخلوا العراق وقتلوا وخربوا وفجروا.....
علي حسين

كلاكيت: التسويق الكبير والاعلان وترشيحلت الاوسكار

 علاء المفرجي بشكل عام، ترشيحات جوائز الأوسكار لعام 2026 (الدورة 98) أثارت جدلاً واسعاً بين النقاد والجمهور، حيث تعكس توازناً بين الإنتاجات الهوليوودية الكبرى والأعمال المستقلة، مع تركيز ملحوظ على التنوع الثقافي والقضايا...
علاء المفرجي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

جورج منصور منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، عاد معه خطابٌ صداميٌّ يقوم على الإقصاء ورفض الآخر، مُتّكئأً على نظرة مصلحية ضيقة لا تعترف بالقيم التي رفعتها الولايات المتحدة شعارات لعقود،...
جورج منصور

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

رشيد الخيون أيد الكثيرون مِن العراقيين «فيتو ترامب» ضد ترشيح نوري المالكيّ رئيساً للوزراء للمرة الثَّالثة، وهو تأييد مغلّف بالخجل، لمَن هو ضد أميركا وتدخّلها، وضد المالكي أيضاً، فحزبه «الدَّعوة» ترأّس الوزارة ثلاث مرات:...
رشيد الخيون
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram