TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > لماذا يُحبّ الطغاة الخطابة؟

لماذا يُحبّ الطغاة الخطابة؟

نشر في: 20 سبتمبر, 2013: 10:01 م

السياسي الفاشل عادة ما ينتقم من جمهور يرفض سماعه.. هكذا يخبرنا خطيب الثورة الفرنسية ميرابو،، الذي اتهمه إبراهيم الجعفري قبل أيام بأنه كان مُنافِقاً، وسبباً في اغتيال الثورة.. لا يزال ساستنا مصرّين على أن يتعلموا من روبسبير لا من غاندي.. لا تفكر في أرواح الناس فهي لا تعادل خطبة ثورية واحدة.. هذا هو الدرس الذي يعطيه روبسبير للطغاة.. لم يكن صدفة أن تعطي البشرية في وقت واحد هتلر وغاندي.. يكتب غاندي: "حيثما توجد خطب وحيثما يتكاثر الخطباء.. فإن البلاد ستذهب في طريق الهلاك حتما"..
اختصرها غاندي الذي كان يرفض أن يخدع الناس: "إني أوثر الانتظار أجيالا وأجيالا، على أن ألتمس حرية شعبي بالخطب الزائفة والزاعقة "..يتكرر مشهد الخطباء على مر العصور دون أي تغيير.. مجرد إضافات جديدة.ألم يخبرنا الجعفري أمس: "ما لم تكن مثقفاً فاجلس في بيتك، لا نُريد أن نحكم العراق بالعصا، إنما نحكم العراق بخطاب"!
تأملوهم جميعا. كل واحد يستخدم لغة "القائد الضرورة" بجمله وتعبيرات وجهه وعصبيته وابتسامته.. يقال إن هتلر كان يلمّع شعره قبل كل خطبة نارية.. هل تعرفون ما اسم اللجنة التي أسسها هتلر لملاحقة خصومه؟ إنها لجنة " السلامة الوطنية ". بهذه اللجنة حكم بالموت على الملايين.. وبمساعدة أعضاء اللجنة من الثوريين كانت الناس تعدم في الزنازين وتغيب في أقبية المعتقلات.
كم سياسياً ومسؤولاً حرق البلاد بسبب لجان المصالحة والمساءلة والاجتثاث؟ كم سياسياً يريد ترويض الناس بجمل وشعارات عن الوطنية ومخافة الخالق؟ كم انتهازياً يشن كل يوم هجوما على أدمغة الناس باسم هيبة "السلم الوطني"؟
كم زمناً سنعيش تحت حكم المعقدين نفسياً والمصرين على أن نعيش معهم دهوراً من الجهل والتخلف؟ إلى متى سنتحمل سياسيي الخطب الرنانة وهلوساتهم؟ هل يمكن أن نصدق أنّ سياسيين جاءوا باسم الدفاع عن الحق والعدالة، نجدهم اليوم يحاولون إقناعنا بأن المشكلة في البلاد ليست في الأمن المفقود، ولا في غياب الخدمات وقتل الناس على الهوية.. وإنما مع الخطاب الإعلامي الذي يتربص بالسادة المسؤولين. ولهذا فإن مناقشة قواعد وآداب الخطابة، أهم وأنفع للناس من مناقشة الخراب الذي يحيط بنا من كل جانب!
كم عمراً سنضيّع مع أحاجي وحزورات يطلقون عليها ظلما صفة خطاب من شاكلة: " هذه تُثري السلطات الموجودة، لسنا في أزمة قوالب، وهياكل جديدة لا نُريدها سلطة جديدة، لكننا نُريدها أن تكون روحاً تتموَّج إلى بقية المُبادَرات الأخرى.".. لا تصدقوا ان هذه العبارة قالها فوكو انها من تدابير الجعفري.
قال روزفلت مرة لتشرشل: "إياك والصراخ.. إنه غير ضروري ويقلل من قيمة الإنسان " فيما نحن نعيش مع ساسة لا يقدمون لمواطنيهم سوى الصراخ والابتسامات الباهتة.
كم صدمة ستتحملها قدراتنا، ونحن نجد نائب رئيس الجمهورية يطالبنا نحن المواطنين بأن نتحمل مسؤوليتنا فيما لم يلتفت إلى أصحاب القرار ليقول لهم: " اتقوا الله في مواطنيكم "!
كم سنحتمل من استعراضات ساستنا "الأشاوس" الذين يريدون منا أن نتربى على خطبهم، وأن نرفع شعار السمع والطاعة؟ كم مرة سنتحمل سياسيا يريد منا أن نلغي كل إمكانية التفكير والبحث، من خلال استدرار عواطف البسطاء واستغفالهم؟!
والآن تخيلوا معي أن مواطنا بسيطا سمع ما قاله الجعفري والمالكي والنجيفي  والخزاعي أمس في مؤتمر" السلم الاجتماعي "، فما ذا سيحدث؟ ولماذا نتخيل أصلا، وساستنا يصولون ويجولون في الفضائيات، بجمل وشعارات عن المؤامرات التي تحاك ضد العملية السياسية، دون أن يقولوا لنا إن المؤامرة التي يتعرض لها العراقيون، هي بسبب وجود سياسيين يصرّون على أن يحوّلوا الأوهام إلى حقائق، ويحرّفون الوقائع من أجل خدمة مصالحهم الشخصية.
أيها العراقيون لا تصدّقوهم إنهم يريدون لنا "الخراب" في لحظة يحلم فيها الناس بدولة حقيقية... دولة مواطنين، لا دولة تبحث عن فن وأصول الخطابة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 3

  1. عساكم بخير

    المتتبع للاحداث في بلدنا منذ 2003 ولحد يومنا هذا يستطيع وبكل بساطة ان يشخص مواطن الاخفاق والخلل في مجمل الاوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والخدماتية فكيف بهم هولاء اللذين يتباكون على وحدة العراق وسلمه الاجتماعي وبيدهم زمام الامر لايعملون

  2. رمزي الحيدر

    زمن الدجل والانحطاط

  3. علي العراقي

    والله اتعبونا ....مللنا صراخهم ...وكلماتهم الزائفة ونعرف جيدا انها زائفة ومضللة وعلينا تصديقها ...ماذا نفعل وهم بهذا المستوى من التردى والتخاذل والتراجع .... لقد اصبح المجتمع في حالة تراخي وموت بطيء فمن يغير اذا اصبح بأيديهم كل شيء ويجب ان نقتنع بالواقع ا

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram