إذاما عالجنا، في أعمدة ثلاثة سابقة، إشكالية "الشذرة" وجمالياتها الشائعة اليوم في وسائل الاتصال الاجتماعيّ، فلأنّ طبيعة هذا الشكل الإبداعيّ تثير تساؤلات حقيقية، ولأنه يحيل بالضرورة إلى مساءلة الإرثين الأدبيين، الأوربيّ (منذ الإغريق) والعربيّ طيلة عصوره، وامتداداتهما في الأدب المعاصر.
وهنا لابدّ من كلمة جديدة لردم الفجوة، الأخيرة أو ما قبل الأخيرة، عن علاقة الشذرة بالمثل السائر وشواهد القبور. فالمثل السائر عربياً هو عبارة رائجة وجيزة، متقنَة الصياغة، مجازية "تتضمَّن خلاصة تجربةٍ عامة ". أو هو كلام ٌ مختصَر يمثّل عبرة طالعة من تجربة أو حادثة تقال في مناسبات أُخرى مُشابهة.
في الآداب الأوربية تُرجمت المفردة ماكسيم Maxime بالمثل السائر، وعُرِّفت على أنها صيغة موجزة تحدّد قاعدة أخلاقية أو سلوكية، أو تفكيراً من طبيعة عامة. ولأصل الكلمة قرابة اشتقاقية بالأقصى، الأعلى، الأكمل والشمولي، كأنها تُحدّد بأقلّ الكلمات فكرة شاملة وكلية. وهي لا تختلف كثيراً عن مفهوم الأفوريسم Aphorisme الذي تُرجم عادةً بالقول المأثور أو الحكمة أو المثل المأثور، وعرِّف على أنه جملة معبَّر عنها في بيان مختصَر، هدفها ليس التعبير عن الحقيقة بالضرورة إنما إرغامنا على التفكير العميق، بينما يحدّدها الكاتب الأمريكي أمبروز بيرس (1842 – 1913) على أنها "حكمة وقع هضمها".
أما شاهدة القبر، فمن الواضح أنها كتابة منقوشة على قبر. ويٌقصد بها أدبياً صيغة حكمية، تُذَكِّر في ثقافتنا بالزائل والفاني غالباً، وفي بعض الأمثلة الأوربية وحتى العربية تكون أحياناً طرفة مأساوية. فقد كُتب، على ما يُذكر، على قبر أبي العلاء المعريّ بيته: "هذا جناه أبي عليّ وما جنيت على أحد". نصوص شواهد القبور الأوربية المحفوظة منذ الإغريق فالرومان وحتى يومنا تشهد على التذكير كذلك بالزائل، لكنها في حالات أخرى تشكل شذرات صافية تتراوح بين العبثية والطرفوية، وبعضها الآخر يمثّل نصوصا شعرية منثورة بلا شك، فقط كُتب على قبر هنري فارمان (1874 – 1958): "لقد مَنَحَ العالَم أجنحةً". وكتب على قبر فرانسيس بلانش (1921- 1974) : "دعوني أرقد، فقد خُلقت من أجل هذا"، والآلاف غير هذا.
جميع هذه الصيغ الأدبية يمكن أن تنطوي تحت شكل الشذرة، إذا ما فهمنا الأخيرة على أنها جملة محْكَمَة، مقتضبَة، تشعّ بطاقاتٍ تعبيرية ومجازية عالية تقترب بدرجات متفاوِتة من الشعرية، حتى لا نقول فن الشعر، بغضّ النظر عن فحواها الدنيويّ أو الآخرويّ. تحوز الأمثال السائرة على هذا الشرط التعبيريّ، وتقترب من صيغ أفضل "الأمثال" رغم التفريق الصارم الذي يجريه البعض بينهما. من الأمثال السائرة الحديث: "المؤمنون كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، ومنها "أكلتم ثمري و عصيتم أمري" وآخر لعلي ابن أبي طالب "تمسَّكُوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة".. الخ. وفي الإنكليزية: "إذا طُعنت من الخلف فاعلم أنك في المقدمة". ومن شعر المتنبي مثلاً، الكثير من الصيغ التي ذاعت جماهيرياً بصفتها مثلاً سائراً.
الشذرة ليست شكلاً أدبياً مقعَّدا بشكل نهائيّ، إنما صيغةٍ جمالية موجزة، نثرية أو شعرية موزونة (بيت واحد سائر)، حكمية أيضاً، ليس بالمعنى الديني وحده، فلدينا شذرات خمرية مذهلة، تدعو في الحقيقة لخلاف أيّ حكمة اخروية وتعارِضُها تماماً.
"الشذرة" صيغة جمالية مفتوحة على الأنواع الأدبية، والمضامين المُتعارِضة.
"الشذرة" صيغة جمالية مفتوحة على الأنواع
نشر في: 1 نوفمبر, 2013: 10:01 م