TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > رحلات وبحار و جزر قبرص: يوقظها همس العشاق والموسيقى وحفيف التاريخ

رحلات وبحار و جزر قبرص: يوقظها همس العشاق والموسيقى وحفيف التاريخ

نشر في: 9 نوفمبر, 2013: 09:01 م

 

نكتب عن  المدن  كما نكتب عن  الحب ، ونكتب عن الجمال وكأننا  في نشوة اكتشاف الحياة للمرة الأولى  مع  صرخة الولادة  ونحاول الكتابة عن  الموسيقى فنعجز عن تأويل  الأنغام بالكلمات ،فالموسيقى شأن طليق  كالريح يصعب  القبض على جوهره ، لا تحتويه لغة ولا تشبهه كلمة ولا  يمكن صوغه  بالحروف وعندما تعزف الموسيقى تهتز أوتار القلب وتنتشي الروح بالنغم  والإيقاع  وتفيق الأشواق من سبات .
   تخطفنا الموسيقى اليونانية  في العاصمة القبرصية من  عبير  الصنوبر  وضجة النواقيس بينما عصافير الضحى  تتقافز بين  أشجار  اللوز  والجهنميات  تفتش في عناقيد  وردها عن  نحلة أو يرقة  والموسيقى تواصل سرقة  خطى العشاق نحو المتاهات الأجمل  في الأسواق القديمة  وأبواب الكنائس والأطلال  وتخطف  العابرين  إلى  مدارج  آلهة الأوليمب  التي وزعت أساطيرها  على الأرض اليونانية  وقبرص وكريت ، ها نحن  نطارد سحر المدينة في  روائحها  : العطور  الأرضية  تشع من  الحدائق  النضرة ومياه المطر ، عطور النساء  الجميلات  تتمازج  في الأزقة الظليلة مع روائح الحجر العتيق ، يخبرنا علماء آثار إيطاليون  أن أول عطر عرفه الإنسان كان في قبرص  قبل 4000 سنة  ، تنسينا  عطور الجميلات  روائح أطباق شواء  السوفلاكي  والموساكا  ، ثقافة الطعام  تتضافر مع الموسيقى وتأتي لنا باليونان على طبق  مزين بالمحار والزيتون  وتحاول الشوارع  أن تموه  تاريخها وواقعها الأغريقي بأقنعة لندنية ، تترنح  نيقوسيا بين الشرق  والغرب ، وبين الجبل  القاسي والسهل  الذي ينتج  عسلا  ولبنا ونبيذا وألف صنف من الزيتون تتكفل   كلها  بجعل  الحياة متعة مستديمة .
 هناك  جزر منسوجة  بتاريخ  الحضارات كلها ومباحة لأهواء  الأباطرة والغزاة  وقبرص جزيرة الإلهة افروديت  كانت  مطمح الآشوريين  فبلغوها  بسفنهم  وهم يبحرون في  لجج  الملح  وتمتلئ  سفنهم  بنحاس الجزيرة وحريرها  وزيتها  وياقوتها  وفيروزها ، فراعنة  وفرس من أكباتانا  تصارعوا على أرضها في انتظار أن يأتي الإسكندر ليطرد داريوش من جزيرة  الآلهة ، حاضر نيقوسيا الجميلة موسوم بعنف السياسة،هي التي مرت عليها الغزوات  والثقافات النهرية من الغرب الآسيوي- من آشور و تركيا حتى بلاد الإغريق ومدارات المتوسط وتركت عليها السياسة ندوبا لا تزال ماثلة على حجارة أطلالها وقلاعها ..
ومازالت  قبرص  تعانق  البحر  وتتوزع  بين مزاجين  إغريقي وتركي  وهي  تحدق في حاضرها من وراء معبد  ومنارة.  
أتساءل وأنا  أتجول في أزقة نيقوسيا ، لماذا نحب بعض المدن وتستهوينا إشارات ثقافتها وذاكرة حجارتها ؟؟ ألأنها  تهبنا موسيقاها  طوال الوقت  وتجمع بين أغاني  جيورج دالاريس اليوناني  ونغمات جورج  ثيوفانوس وروح الشرق  أم لأن التراث الإغريقي  يلوح   في وجوه حائكات  المصير على طريقة بنيلوبي وهن  ينسجن الشالات  والدانتيلا   برسوم من  أردية  الآلهة   وأغصان زيتون  وفراشات وحوريات بحر ؟؟  لماذا تغوينا  بعض المدن فنقع  في  هواها  ؟هل لكونها  انعكاساً لمدننا عند حافات آسيا فتبلغنا منها ذبذبات  مشرقية  وغوايات  زيتون  ولمحة من خشونة  آشورية  ألفناها طوال العصور؟
  في  الساحة الكبرى –الأغورا  يلتقي المعبد والسوق وتاريخ الحرية والاستعباد في آن  وفي الأغورا  ذاتها  أعلن ملكها ( أوناساغوس ) ولاءه  لعاهل آشور في القرن السابع قبل الميلاد ثم اغتسل الملكان في مياه نهر ( بيديوس  )  :الآشوري  ربما ليحتفل بنصره وآلاف الأسرى والقبرصي نشدانا للمغفرة من جريمة تفريطه بوطن وفي ساحة اليوم يبدو كل شيء مقلدا لتاريخ ما  وفكرة ، فترى سمات ثقافة إغريقية و إنكليزية وتسمع ترنيمات بيزنطية  ترتلها  جوقة الكنيسة.
 يتبع

 

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram