(1 – 2)
ثمة أجيال، لعلها تبدأ من جيلي، لم تشهد التغيرات البنيوية، البشرية والاجتماعية والسياسية، التي مرت بتاريخ العراق الحديث، وهذا خلافاً للمولود سنوات الثلاثينات الذي كان عمره عشرين عاماً سنوات الخمسينات، وإذنْ عاش ورأى بأم عينيه الامتداد السوسيولوجيّ والعمرانيّ للحقب السابقة.
على المستوى البصريّ الذي يُنعش ويُرسّخ الذاكرة لأنه ينحفر عميقاً، ثمة غياب وتغييب حقيقيّ، بدءاً من جيلي في الأقل، لشرائح وظواهر عدة في التاريخ المحليّ، يترافق مع ظاهرة إلغاء السابق بفعل الانقلابات العسكرية والدكتاتورية التي ظلت، كما نعلم، تمارس تغييب آثار السابقين على كل صعيد، بل مسعاها المحموم لطمرها نهائياً: حاول العهد الجمهوريّ طمس ما يتعلق بالملكي، عائلة عارف سعت لطمس فترة عبد الكريم قاسم، حكم البعث جاهد بإطفاء كل عهود العراق السابقة. وفي كل مرة يأخذ (البَصَريّ) الحصة الأوفر في عملية الطمس والمحو. وأحسب أن الأعمال الفوتوغرافية التي وصلتنا من فترة قاسم مثلاً من الضآلة بمكان، مقارَنَةً بما يمكن أن يُوضع تحت تصرّف الأجيال الحالية.
هذه الظاهرة لا مثيل لها إلا في الأنظمة الفاشية وحدها، أو أنها تَمُتُّ إلى أنظمةِ حكمٍ ما قبل تاريخية، كما هو الحال في مصر القديمة حيث سعى فراعنة إلى طمس كلّ أثر بصريّ لفراعنة سابقين.
ظلت (سطوة البَصَريّ) من أهمّ الفاعلين في تاريخ الصحافة العراقية، إذ بقي الرقيب يتفحّص الصورة بدرجة مُضاعَفَة، حتى قرّر نظام البعث أنْ لا وجود في البلد إلا للبَصَريّ الذي يقرّره حصرياً. في حين كانت حيازة بَصَريّ يرقى لفترة أخرى أو إيديولوجية معارضة، تهمةٌ تعرِّضُ للتجريم والحبس. هكذا حَرَقَ أو دَفَنَ المعارضون، بل العوائل العراقية البسيطة، كل بَصَريّ يتَّهمه بعث العراق ويحرّمه، من صور قاسم مروراً بأغلفة دار التقدّم ، وصور كارل ماركس ومظفر النوّاب وليس انتهاءً بالصور الفوتوغرافية لأبنائهم المعارضين خارج البلاد.
أحسب أن التوثيق الفوتوغرافي ليهود العراق خضع للمنطق نفسه، فهل يُعقل أن أجيالاً كاملة في العراق لا تعرف، بصرياً، هذه الشريحة الفاعلة في التجارة والثقافة والسياسة؟. هل يخلو أرشيف الدولة العراقية من صور الطائفة الموسوية؟. لا بالطبع، فقد ذهب هذا الطمس بعيداً عندما تعلّق الأمر أيضاً بيهود العراق. وعلى سبيل المثال، فإن إحدى صور الملك فيصل الأول الشهيرة، إنما هي من تصوير المصور اليهوديّ العراقيّ (حوري) الذي بحوزتنا له مجموعة من البطاقات البريدية المصوَّرة لمختلف مناطق بغداد والعراق.
برهنت فترة حكم البعث خاصةً، أن الخشية من (البَصَريّ) كانت تتسم بطابع مُفْرط، مَرَضيّ، لأنها كانت تستميت بإزالته من الوجود، وهي تمارس سطوتها الفظة على صور المراجع الدينية الشيعية ورموز الحركة الوطنية كلها بلا استثناء، من قادة الحزب الشيوعي إلى رجالات وطنيين ،مثل الجادرجي وأبو التمن وغيرهم. صورهم القليلة في البرامج المتلفزة وكتب وزارة الإعلام المكرّسة لتاريخ العراق الحديث يومها، لا قيمة لغالبيتها بالمعاني الجمالية والوثائقية والطباعية. كانت نوعاً من ذر للرماد في العيون، لأنها تختار أسوأ الصور الفوتوغرافية، غير الواضحة، ذات الطباعة الرديئة، والتمثيلات والوضعيات التي لا تُعبِّر بدقة عن الشخصيات المعنية، رغم إمكانية نشر صور أخرى ذات كفاءة أفضل ودقة أعلى وتمثيل أصحّ. كانت تلك الصور نوعاً من (تلفيق فوتوغرافيّ) نظرا لعدم إمكانية منع الباحثين القطعيّ والجامعات من دراسة تاريخ البلد السياسيّ.
يُتبع
ترميم الذاكرة البَصَريّة
نشر في: 24 يناير, 2014: 09:01 م