TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كتابة السيرة: سيرة الرماد ليحيى الشيخ الخروج من السنن العتيقة: اجتراح الرؤى والمصائر

كتابة السيرة: سيرة الرماد ليحيى الشيخ الخروج من السنن العتيقة: اجتراح الرؤى والمصائر

نشر في: 25 يناير, 2014: 09:01 م

2
أتى كتاب  يحيى الشيخ  ( سيرة الرماد )  جريئا في كشوفاته الرؤيوية والعقلانية  وتأرجحه بين نزعة الاعتراف وكتم  الخصوصيات ،و بين شغف الرسم وهوى الكتابة ، يقاسمه قرينه  روحه وجسده رغم تنافرهما ( مرة يكون هو العقل وأنا القلب، ومرة يكون هو الجسد وأنا الروح )  ويحرضه القرين : اترك الرسم  فيهجره   ويكتب حكايات رعوية ومسرحيات وقصصا مجهرية ويوميات المرسم  ومبررات الرسم  (  كيف لعاقل ان يترك الرسم بعد خمسين عاما ؟) إنها غوايات الشغف وحصار القرين.
منذ  الاعتقال في انقلاب  شباط1963  وسفره بعد تخرجه من أكاديمية الفنون  للعمل في السعودية  مع بسام الوردي وهاشم سمرجي -  توالت تجاربه   في الرسم والغرافيك والكتابة ، موت الأب  الصائغ المتغرب في البحرين   نقطة انسلاخ أولى من تقليد  راسخ :  توريث مهنة الصياغة للابن ، كيف  يقحم فنان متمرد ينشغل عقله بالكلمات والرسم و( رموز الحياة وتجريدها)  في  مأزق  كهذا ؟
تسلم الشاب مهنة أبيه في البحرين  وانتهى إلى طريق موصد بحقائق صلبة: هو لا يفقه لغة السوق ولا المساومة ، صاغ وتفنن  وفشل فترك المهنة لعمه وانغمر ثانية  في عالم الفن والرؤى والكلمات   وفي  بغداد   يلتقي الشاعر سركون بولص والنحات فائق حسين ويكابد توهجات الحب التي لم يشأ الإفصاح عنها  إلا بإشارة عابرة  كدأب الشرقيين في صون خصوصيات القلب.
يواصل التجريب ويعرض أعماله  ثم يتألق  برسم لوحته الكبيرة المفصلية (الرمانة) التي يعدها  منعطفا  في جنوحه للمرة  الأولى  نحو سفح العواطف في اللوحة :  الرمانة المحتقنة تبذر حبّاتها على سهول وهضاب تعجّ ببشر هائمين في التيه ،يكتب يحيى( هي عمل  ينطوي على ىسريالية تتخفى في رقة الحلم .. اختبرت في الرمانة فاعلية مشروعي الجمالي ) استعادة مرمزة لطقوس عبادة الخصب السومرية.
 خلال تجواله الموصول في بلاد الشرق والغرب ولجوئه إلى النرويج من كوالا لامبور كان قد رسم مجموعة لوحات  "رسائل إلى  الورد" و"ذاكرة العشب" التي انشغل بها   طيلة عقد من الزمن وفي النرويج يستدرجه نداء الطبيعة ويتكشف له عالم عجائبي على مفترق حياة  طبعها سابقا  إمعان  يحيى في الخروج :  الخروج  من البلاد  والسفر إلى روسيا  بعد زواجه    بعام وبضعة شهور( خروجان في آن واحد : خروج من الدين ،فزواجي من مسيحية في الكنيسة يعني إقصائي عن دين الصابئة  وخروجي من الوطن )   وفي غربة الخروج ووطأة الانسلاخ  ينجز مجموعة مركبة من الأعمال كبيان جمالي لمرحلته تلك ،ويقدمها بمقولة للكاتب التشيكي ( فوتشيك) الذي أعدمه النازيون " كانت حياتي جميلة ولن أفسد نهايتها"
وبين  ترحل  مستديم  يعمل مصمما لمجلة الثقافة الجديدة والهدف  في سوريا  ثم يغادرها إلى ليبيا للتدريس  في كلية الفنون منعتقا من العمل السياسي  ليتشبث بحريته النهائية  ويكرس  روحه( للنشيد الأبدي ) ويستدرج  الرؤى رسما وكتابة  ويكثف صراحة لغته التشكيلية وبلاغتها في لوحات الأشجار: فالشجرة لديه  لا تخفي  حقيقتها عطبا أو ازدهارا ولا تدعي عفّة ،ففي لوحة" الشجرة البيضاء "يحط قمر على الشجرة يلامسها فيغدو أخضرَ وتستحيل هي  بياضا قمريا ،تبادلاً حيوياً للعناصر دونما خديعة، هكذا تمضي حياة الكاتب الرسام  ويتناسخ الوجود فيه وفي أعماله وتتماهى كياناته مع بعضها  ليمسك بالجوهر الثمين عبر تجارب مع خامات الطبيعة  والنصوص و كشأن الحالمين  بالآمال العظيمة  يثق أخيرا بأن ( الرمانة) بذرت جيناتها في رحم الأرض  لتنجو  خلافنا من مصير الرماد.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: قرارات روزخونية !

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram