دأب الصديق الدكتور شاكر لعيبي (له أكثر من أربعين كتاباً في الأدب والفن) منذ مدّة على طرح قضيته أمام الرأي العام، بحدود ما تتيحه وسائل الاتصال الجديدة، بل تداولتها صحيفة أو أكثر، وقبلها خطا لعيبي خطوة عملية بأن أرسل شهادته الأكاديمية، من سويسرا، لغرض معادلتها في الجامعة العراقية، لكنه قوبل بالتجاهل والرفض غير المعلن ولا واضح الأسباب من وزارة التعليم العالي العراقية لتنفتح القضية على فضائها الأكثر سعة: المثقف العراقي في وطنه.
وضع صديقنا لعيبي لظاهرة تجاهل المثقف وطرده واستبعاده، علناً أو سرّاً، والتواطؤ على نسف حقوقه، مصطلح "التغليس" الذي قلّبه معجمياً وأخلاقياً وسياسياً، مع توابل كوميدية، أحياناً، لم تخفف من مرارتها وطعمها الفج.
إذا كان حق المثقف مكفولاً على وفق ثقافة المواطنة وأعرافها وقوانينها، في البلدان التي تحترم هذه الثقافة وتعمل بها، فإن المثقف العراقي مستبعد مرتين من وطنه: في الأولى مواطناً وفي الثانية مثقفاً، ولا أعني الفصل بين الصفتين، بل أميّز بين اشتغالين: المواطن والمثقف.
ومهما اختلفت تعريفات المثقف، عبر سجالات الفكر والثقافة والاجتماع والاختصاص، فهو بالنتيجة صانع أفكار وحاملها إلى من يستهلكونها، ذهنياً، فنياً، تقنياً، لكن علاقة المثقف العراقي بوطنه من إشكاليات الثقافة الوطنية التي لم تحل ولا يبدو حلها منظوراً.
قضية لعيبي قضية عامة وكل شخصنة هي بتر للظاهرة والالتفاف عليها لتكريسها.. إنها قضية ثقافية مركبة عندما يتداخل الثقافي بالثقافي والثقافي بالسياسي والسياسي بالثقافي، وتلكم هي معضلتنا في العراق مذ استجواب السلطات العراقية حتى للمثقف الصامت الذي توّهم أن ركونه للعزلة سيجنبه مواجهات عقيمة لا قبل له بها لأن "الواقف على التل" وحده دليل جرمي كافٍ لإدانة المثقف "المهزوم" و "السلبي"، فكيف إذا كان المثقف من حملة أفكار تغييرية و "هدّامة" وهو يوجه رسالته "المثيرة للفتن" مهما اجتهد في تشفيرها وترميزها في بيئة معادية ووسط سياسي وثقافي ارتكن للسكون والموالاة والخنوع و"التغليس".
لا وجود لمثقف في وطنه، كما في حال العراق، أمس واليوم، إلا للمثقف "المغلّس" أما الاستثناء فهو مثقف مهدد بأخطار متعددة لا تبدأ بالمفخخة ولا تنتهي بما تعرض له الشاعر عبد الزهرة زكي، أخيراً، من اعتداء غاشم على يد أفراد من وزارة الداخلية، وبين المثالين (المفخخة والاعتداء) مسافة طويلة من ممرات النيران التي لم تزل مشتعلة منذ زمن بعيد وحتى اليوم.
إذا كانت قراءة السياسي المتنفذ (الحاكم تحديداً) لنتاج المثقف قراءة سياسية وهي هكذا دائماً، وهو أمر طبيعي، قدر ما يتعلق بالتهديد الذي يهجسه الحاكم، الوزير، الرقيب، واعظ السلطان، في كلمات المثقف التغييري، فإن قراءة بعض المثقفين لنتاج زملائهم، أكثر تعقيداً، عندما "يتعقد" الوضع في البلاد برمتها لتختلط المفاهيم وتتشابك المصالح ويتراجع حتى الموقف الأخلاقي من زميل المهنة وشوقه المشترك لمستقبل أكثر عقلانية وأجدى حواراً وأقل قسوة.
أشار لعيبي، بأشكال مختلفة، إلى أنهم – في العراق – لا يرحبون بنا، يخاف حامل الشهادة المزورة من حامل الشهادة الحقيقية، ويخاف المثقف الذي وضعته الصدفة، مثل السياسي الحاكم، في منصب وظيفي من زميله الذي يعتقده منافساً خطيرا له وغير ذلك الكثير من المسببات واللافهم و "التغليس"، على أن القضية، برمتها، ليست استجداء ولا حركة مطلبية إنما هي حال حقوقية تنبغي المرافعة فيها من أجل حق عام وإن بدا خاصّاً.
شاكر لعيبي والمغلّسون
[post-views]
نشر في: 27 يناير, 2014: 09:01 م