TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الحب من الزواج المقدس إلى النزهة الرومانسية..القسم الثاني: فرسان مسالمون ورومانسية وثنية

الحب من الزواج المقدس إلى النزهة الرومانسية..القسم الثاني: فرسان مسالمون ورومانسية وثنية

نشر في: 22 مارس, 2014: 09:01 م

هيمنت صورة الحب  المرتبط بالفروسية  وأخلاقياتها وطقوسها على مجتمعات  القرون الوسطى ،عندما اتخذ الفرسان - وهم الشعراء الجوالون التروبادور-  قصائد العشق  أداة  إبهار  وإغواء واستعطاف ينشدونها  تحت نافذة المرأة المعشوقة اللامبالية  وهي غالبا   من  طبقة  أرستقراطية أو إقطاعية ،بشر الفرسان  بالحب  واستنكروا  الحروب  والأحقاد  ثم طغت النزعة الرومانسية بعد انحسار موجة الشعراء الجوالين  فتخطى  الرومانسيون  مرحلة العشق  الفروسي  الحالم الملتاع  المماثل لحب شعراء العصر الأموي في تراثنا و  تصدوا  -بحماس عاطفي - أواخر القرن الثامن عشر  للثورة الصناعية والطبقة  الأرستقراطية معا وثاروا على  المعايير الطبقية وظهرت موجات من  الرومانسيين الذين  ارتبطوا بالإبداع الفني والأدبي وأرسوا قواعد  المدرسة الرومانسية التي  تعد العاطفة الخالصة  ومشاعر الحب  والشغف منبع الإبداع الوحيد ومصدر مباهج الحياة وأحزانها  وعابوا على عصر التنوير فرط عقلانيته  واعتماده الفلسفة المجردة، لكنهم ساندوا  التنويريين في  مناهضة  التطرف  الديني ورفض هيمنة  اللاهوت على الحياة والسياسة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.
   استحال  الحب -مع تراجع  النزعة الرومانسية في القرن العشرين  وأيامنا  هذه -  إلى سلوك شبه وثني وصار صنما  تقام له طقوس عبادة  وأحيطَ  الحب -كفعل إنساني  والمحبوب كموضوع عشق- بإضافات مغوية كالثياب  المبهرة والمجوهرات والعطور وغاب الفهم الجوهري  القائم على الحنو والألفة والرعاية والاهتمام بين المحبين وتحول الحب والعلاقة العشقية لدى أوساط عديدة إلى صفقة  محسوبة بمعايير مصلحية  وما عاد  الحب المصطنع  وغاياته قادرا على  إيقاظ مكامن الجمال وإطلاق  شرر الإبداع والأمل في أعماق الإنسان  ليمنحه أسرار اللغة  وسحر القول  وفتنة  التعبير ، فلطالما  كان الحب هو الناطق  بكل ما هو  بارع وجميل  مقابل  عنف اللغة  وخشونتها ويباسها  عند دعاة العنف من غلاظ القلوب.
  تحول  أمر الرومانسية في زمننا إلى فعل ( ميثولوجي) طقوسي ، بعد أن أسهم الأدب والسينما والغناء في الترويج لنمط  الحب  المتسم بالفقدان والقسوة  والعنف  السادي والموت ،وأسبغت النصوص  والأعمال الفنية كثيرا من العنف والجنون والهوس والكآبة المفضية  إلى ربط الحب بالعذاب والموت .
 واستجابت  الصناعات الحديثة  لسحر الميثولوجيا العاطفية و الشهوانية  فأغرقت الأسواق بأشكال لا تحصى من الإضافات  التي كرست وثنية  الحب الرومانسي السطحي  لدى العامة  (  يوم الفالنتاين مثالا)  والذي تحول إلى تجارة قائمة أخضعت الحب للتسويق  وأسهمت  في إضفاء هالة خادعة على حب  متوهم ومجهول لدى الكثيرين  ،ثم تفشت عمليات التجميل       عند بعض الرجال  و النساء  لتفضح  زيف  المجتمعات الراهنة وسطحيتها وعدم قناعة الأشخاص بأنفسهم و افتقارهم إلى  احترام حقيقي للذات فعاملوها كسلعة  للبيع وجسد  للاستهلاك  في سلوك  مُختل وإقرار بهشاشة روحية  ترتضي تكييف  جسد الإنسان  وتصنيعه  ليتطابق مع النموذج السائد في الإعلام و الأفلام والإعلانات والأغاني المصورة  فأصبحت  بعض المجتمعات العربية  تضم نسخا متشابهة من الوجوه والأجساد المعدلة لتتوافق مع  أجساد المشاهير ووجوههم . وباستفحال  هذا الخلل الاجتماعي والنفسي  كان للحب في مجتمعات مريضة كهذه أن يتحول إلى سلوك زائف  يكشف خواء الروح وعوزها للكرامة  وعجزها عن العطاء فازدهرت رومانسية سطحية  شبقية  هي مزيج من النزوات والتوهمات   وانزوى  الحب  السامي بعيدا وحلت محله العلاقات القائمة على صفقات محسوبة  تقمصت    إهاب الحب وشوهت إنسانيته   لتحل محله السلوكيات  النفعية السوقية  والتمثلات العاطفية  الاستهلاكية  العابرة.
أحب الناس الحب وتغنوا بفضائله  وتظاهروا بتمجيده ثم عجزوا عن حب أنفسهم ومنح الثقة  والحنو للمحبوب وامتثلوا   لظاهرة  التسليع  في خسارة معلنة لإنسانيتهم.
يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram