TOP

جريدة المدى > عام > ماركيز موت منفيّ آخر

ماركيز موت منفيّ آخر

نشر في: 22 إبريل, 2014: 09:01 م

مع موت غابريل غارسيا ماركيز، تكون قائمة المنفيين الذين ماتوا بعيداً عن أماكن طفولتهم التي وُلدوا فيها، عن "أوطانهم" الجغرافية، ضمت اسماً جديداً. يمكنني عمل قائمة طويلة هنا بأسماء الكتّاب هؤلاء، من كل الأزمان والبلدان. من يزور مقبرة بيرلاشيز في باريس،

مع موت غابريل غارسيا ماركيز، تكون قائمة المنفيين الذين ماتوا بعيداً عن أماكن طفولتهم التي وُلدوا فيها، عن "أوطانهم" الجغرافية، ضمت اسماً جديداً. يمكنني عمل قائمة طويلة هنا بأسماء الكتّاب هؤلاء، من كل الأزمان والبلدان. من يزور مقبرة بيرلاشيز في باريس، بل وحتى مقبرة مونبرانس الى حد ما، سيرى قبور المنفيين هناك، على الأقل نظيفة ومليئة بالزهور، وخاصة في المقبرة الأولى.
"سَأَموتُ في باريسَ تَحتَ وابلٍ منَ المَطر، في يوم لديَّ منذُ الآنَ ذكرى عَنْه، سأموتُ في باريسَ - ولسْتُ مُسْتَعِجلاً -، ربَّما في يومِ خَميسٍ خَريفي, مثلِ هذا اليوم، سيكونُ خَميساً لأنَّ هذا اليومَ خميسٌ، وفيه أنثر هذهِ الأشعارَ، وعظامُ العَضُدِ في أسوأ حال، ولمْ أرَ نفْسي قطّ، وَحيداً مِثلَما أنا اليوم، سيسار باييخو قَد مات، وهُم جَميعاً يركلونَه، دونَ أن يَفعلَ لَهم أيَّ شَيء؛ يضربونَه بالهَراوات وبِقَسوَة. بالحبالِ يَسوطُونَه، تشهدُ على ذلك أيامُ الخَميسِ وعظامُ العَضُد، والعُزلةُ والأمطارُ والدروبْ .."، القصيدة الخالدة هذه التي كتبها سيسار باييخو المولود في دي تشوكو، جبال الأنديز، بيرو 1892، شاعر بيرو الأول وأحد المجددين للشعر المكتوب باللغة الإسبانية، لم يعرف أنها ستكون نشيد المنفيين، ليس من زملائه الأميركان لاتينيون، بل نشيد ستردده حناجر منفيين رطنوا لغة أخرى.
باييخو مات بالفعل في باريس في يوم خميس وخريفي بوابل من المطر، كأنه تنبأ بذلك. قبره في مقبرة بيرلاشيز هو بداية لقبور زملاء أميركان لاتينيين له، ميغيل أنخيل أستورياس (غواتيمالا سيتي 1899) مثلاً، صاحب الرواية الأسطورية "السيد الرئيس"، الحاصل على نوبل للآداب عام 1967، فهو رغم أنه مات في 1974 في مدريد، إلا أن عسكر بلاده لم يسمحوا حتى لجثمانه بالعبور إلى الجهة الأخرى من المحيط الأطلسي. في المقبرة ذاتها، دُفن أيضاً في فبراير 1984 خوليو كورتازار المولود في بروكسل 1914، صاحب رواية الحجلة، وأحد أهم الروائيين والمثقفين الأرجنتينيين بعد خورخة لويس بورخيس. حتى كارلوس فوينتيس (1928-2012)، صاحب "موت أرتيميو كروز"، الذي توفي في مكسيكو سيتي، بنى في بيرلاشيز لنفسه ولزوجته قبراً رمزياً باسميهما وهما أحياء عندما كان ما يزال سفيراً لبلاده في باريس (1972-1978) إلى جانب قبر أولاده الذين ماتوا في حادث سيارة في فرنسا.
ليس الهدف هنا عمل ملف طويل لأسماء المنفيين المدفونين في باريس، كأن العاصمة الفرنسية ليست عاصمة الثقافة في العالم وحسب، بل هي المقبرة المركزية لكل الكتاب والفنانين والمثقفين أولئك الذين فضلوا العيش في الغربة واخترعوا أوطانهم الخاصة بهم، على العيش تحت عبودية الديكتاتور والكتابة له. القائمة طويلة إلى جانب باييخو واستورياس وكورتازار، تحوي أسماء مبدعين من كل العالم، من الروماني يوجين يونسكو والإيرلندي أوسكار وايلد والإيراني صادق هدايت وزميله بالمواطنة أحمد فرهنكس والباكستاني محمد إقبال والروسي جوزيف بروديسكي، إلى المخرج السينمائي الكردي يلماز غوناي (صاحب الفيلم المشور يول - الطريق -).. هذا سآتي عليه في موضوع خاص لاحق، بل الهدف هنا لتذكر المنفى والمنفيين مع موت ماركيز.
ما أزال أتذكر تلك الصورة، في بداية الثمانينات قبل حصوله على جائزة نوبل، ماركيز وعائلته (زوجته مرسيديس وولديه اللذين كانا ما يزالان صبيين،) يجلسون في سيارة ليموزين بصحبة السفير المكسيكي في كولومبيا في طريقهم إلى مطار بوغوتا، قبل أيام وصله خبر عن نية العسكر بتصفيته، وفقط بهذا الشكل كان يمكنه مغادرة بلاده، كولومبيا إلى منفاه الجديد مكسيكو سيتي. المكسيك منحته اللجوء السياسي. في التسعينات، بعد تغيير الأوضاع السياسية في كولومبيا نسبياً، وبعد الشهرة التي وصلها ماركيز في العالم، قرر غابو العودة مع عائلته إلى كولومبيا. بنى له بيتاً كما حلم به، في قرطاجة الهنديات (المكان الذي دارت فيه أحداث "الحب في زمن الكوليرا")، يطل على الكاريبي، لكن من جرب النفي ذات مرة، لا هو يستطيع التطامن مع مكانه القديم، ولا المكان القديم معه. من يعيش النفي ويعود، سيجد أنه سار باتجاه وبلاده والناس ساروا باتجاه آخر. ربما هو الوفاء للبلاد الجديدة التي آوته، المكسيك، حتى أصبحت بمثابة وطن له، ما جعل فراقه لها نوعاً من الجحود، وربما هو الخوف من النفي مرتين. ماركيز لا يقول لنا ذلك، لكننا نحن المنفيين نعرف ذلك. ومنفى ماركيز طويل. العودة تمرين جديد بالعيش، محكوم بالفشل، وهذا ما عرفه المنفي ماركيزً.
العيش في قرطاجة الهنديات، في فيلا ضخمة أشبه بالحصن، خوفاً من الاختطاف والاعتداء تحول بالنسبة لماركيز إلى كابوس، "لا أستطيع الغناء حتى وأنا أقود السيارة"، صرح ماركيز على عادته ساخراً، وهو يصف حالة الاختناق التي شعر بها، مرة جديد المنفى، مكسيكو سيتي. ربما الاختناق، أنه لا يستطيع التصريح بشيء، دون الشعور بأن سيفاً مسلطاً على رقبته، مافيا المخدرات من جهة (كان زعيم عصابات المخدرات الأسطوري سكوبيار يسأل دائماً: من هو ماركيز هذا، ولماذا هو أشهر مني؟)، والعسكر من جهة أخرى. الاثنان لم يقبل ماركيز التصالح معهما، خاصة العسكر. 
"لا يجب الثقة بالروائيين الذين يمتدحون بلادهم: إن الوطنية فضيلة رائعة لدى الجنود والبيروقراطيين.. إلا أنها فقيرة في مجالات الأدب. فالأدب بصورة عامة، والرواية خاصة، معبران عن عدم الرضى. وتبرز منفعتهما الاجتماعية في أنهما يذكران الناس أن العالم على خطأ دائماً.. وأن الحياة يجب أن تتغير دائماً"، كتب منفي آخر يعيش في مدريد، صاحب جائزة نوبل ماريو فيرغاس يوسا في المقدمة الاستهلالية لروايته الخالدة "حديث في الكاتدرائية"، التي هي الأخرى كاتدرائية في معمارها الفني وتعدد أصواتها.
الفن والكتابة، الإبداع بشكل عام لا يُمكن لهم أن يكونا خلاقين ومبدعين، ومجددين بدون الخلفية هذه، بدون التورط بـ "هجاء الحاضر". غارسيا ماركيز عرف ذلك من روايته الأولى، "عاصفة الأوراق"، ليس من الغريب أن تسبب واقعيته السحرية المشاكل مع العسكر، ولا يهم أنها سحرية. يكفي أنه يصر على الروي، على التذكر. الديكتاتورية تصر على جعل الناس تنسى، والراوي يصر عن طريق ما يرويه على أن يكون ذاكرة بلاد تحمي نفسها بالنسيان، "وللكهول سأعلمهم أن الموت لا يأتي مع الشيخوخة، بل بفعل النسيان."، كتب ماركيز في رسالة وداعه للعالم، وكم هو محق، أنظروا إلى الشعوب التي عاشت تحت الديكتاتوريات، كيف أنها تشيخ مبكراً، شعوب بلا إبداع، شعوب تعيش على الماضي، أليست تلك هي حالنا في العراق، وهل هناك شعب نساء أكثر منا؟
مات غابو، الذي عاش ليروي، مات الراوي الذي غنى العزلة والفشل والحب، ولا أدري إذا كان ردد هو الآخر قبل أن يموت قصيدة سيسار باييخو، عندما مات يوم الخميس الماضي، لكنني أدري أن منفيين آخرين لا يمر خميس في حياتهم أو خريف، لا يمر يوم ممطر ويوم وحيد، دون أن يتذكروا قافلة المنفيين من المبدعين الذين سبقوهم، الذين ماتوا في غربتهم، ولم يشكوا لأحد يوماً المنفى الذي يعيشونه، لا يهم ما فيه من مرارة، لا يهم ما يحصلون فيه من مواطنيهم، من سكان مدن طفولتهم من رفض وخبث، من تآمر وعدوان، حتى عندما يموت منفي آخر، رفيق لهم بعيار ثقيل، اسمه غابريل غارسيا ماركيز!

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق عراقيون

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

تخوم الشعر والتشكيل

قراءة في أدب لطفية الدليمي.. الإنسانة المكتفية بقراءاتها

مقالات ذات صلة

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب
عام

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

جورج منصور تمرّ في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2025 الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور فائق روفائيل بطي (أبو رافد). وُلد في بغداد عام 1935، وحصل على بكالوريوس في الصحافة من الجامعة الأميركية في...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram