TOP

جريدة المدى > عام > يوسف زيدان.. أسطورة الألوهة المؤنثة في "ظل الأفعى"

يوسف زيدان.. أسطورة الألوهة المؤنثة في "ظل الأفعى"

نشر في: 13 يونيو, 2014: 09:01 م

تثير رواية "ظل الأفعى" للأستاذ يوسف زيدان العديد من الأسئلة حول البناء السردي وشكل السرد مع الحدود الفاصلة بين السيادة الثقافية والاجتماعية في سلوك الشخوص . كما أنها " ظل الأفعى " رواية تدخل ذاكرة المتلقي عبر ثنائية الرجل / والأنثى ، الزوج / والزوجة

تثير رواية "ظل الأفعى" للأستاذ يوسف زيدان العديد من الأسئلة حول البناء السردي وشكل السرد مع الحدود الفاصلة بين السيادة الثقافية والاجتماعية في سلوك الشخوص . كما أنها " ظل الأفعى " رواية تدخل ذاكرة المتلقي عبر ثنائية الرجل / والأنثى ، الزوج / والزوجة التي ظلت بلا اسم في الرواية وكأن يوسف زيدان قد منحها دوراً اكبر في روايته ، وجعل منها علامة واضحة بدلالتها على نسق الألوهة المؤنثة في ديانات الشرق ، هي مرآة لها وباعتبارها الزمن الحاضر / ووقائع تاريخ حديث ، لتتجسد عبرها أساطير الأم الكبرى ونظام الألوهة المؤنثة ، ليس في مصر فقط وإنما في بلدان الشرق الأوسط ، حيث الجغرافية الواسعة جداً ذات النظام الثقافي والديني الواحد الكاشف عن أصل هذا النظام والتمثيلات له.
رواية يوسف زيدان جديدة تماماً وملفتة لانتباه المتلقي لتكونها البنائي وتغذيتها المعرفية ووضوح الرؤيا الفلسفية والمشحونات الأسطورية الوفيرة التي استطاع زيدان بثها في عمق روايته وجعل منها ـ الأسطورة ـ رافداً مركزياً وجوهرياً في تغذية الوحدة السردية وتطعيم الصراع الذي اتجه نحو مجال تاريخي / حضاري مهم وخطير . كذلك بث هذا الكم من ثقافة النسق الأمومي الذي ساد زمناً طويلاً . وانحاز يوسف زيدان نحو الخطاب النسوي وأعلن تكافله مع الحركة النسوية ، لأنه أعلن الموقف واضحاً ضد الذكورة ونظام الرجولة والهيمنة البطرياركية بوصفها سيادة ثقافية مطلقة ، حققت انتصاراً مفاجئاً لها ، بعد ما كانت تابعة تماماً لنسق الألوهة ومتفاهمة معه ، ومتجاورة ، لأنها تدرك وبوعي كامل ، بأنها ستظل ناقصة حياتياً وغير فاعلة ، إلا عبر مكملها الأخر / الرجل . لذا عملت كثيراً وأنتجت حضارة من أعظم الحضارات في تاريخ البشرية ، وما زالت حتى هذه اللحظة مشعة بتفاصيلها الثقافية والدينية وارتضت الحضارة الآن والديانات التاريخية والسماوية بالانفتاح كلياً أمام الألوهة المؤنثة كنظام حياتي وحضاري . يتصاعد الحنين له ، لأنه أكثر وضوحاً بالأهداف العامة والخاصة ، من اجل تنظيم الحياة والمحافظة على العالم بأمان كامل . واهم ما تميزت به رواية " ظل الأفعى " الزحام المعلوماتي والكثافة المعتقدية / الطقوسية والشعائرية لتقدم لنا تخيلاً معاصراً عن استيقاظ الالوهة المؤنثة كنسق ثقافي ومعرفي وتبلور خطابها من خلال الكثير من الاهتمامات والمزاولات بين الرجل والمرأة ، لكنها في طبقاتها العميقة تمثيل لمجال ساد في تاريخ الحضارة الإنسانية ، كانت فيه المرأة صوتاً لا يعلوه صوت أخر . لكنها لم تقل بهيمنتها وغطرستها وقوتها ، إلا في الحالات الاستثنائية التي ينشأ فيها صراع ثقافي طبيعي ، بين العناصر المكونة للثقافة والدين ، لحظتها ، نجد الأم الكبرى ، والالوهات المؤنثة قد ارتفعت أصواتهن ، عبر من يمثل نظامهن من كاهنات ، ليتم الإعلان الواضح والصريح عن سيادة الألوهة المؤنثة ، واستمرار ديانتها وحضارتها بارتفاع مستمر مع حيازة طاقة تؤهلها للتقدم نحو الأمام .
وجدت في الرواية طاقة اللغة ومرونتها بالتعامل مع المعرفة بوصفها منظومات ثقافية / فكرية / فلسفية ودينية بشفافية وشعرية دافقة ومرنة ، وكلما تراكمت المعارف ازدادت ليونة وإيقاع ، لان يوسف زيدان عرف كيفية التعامل معها وصوغها وتقديمها ضمن بناء سردي رزين ومتوازن ، وعلى الرغم من حضور الثقافة البطرياركية ، لكن الثقافة النسوية المعاصرة واضحة ، والنسق الخاص بالألوهة المؤنثة متمركز ، له الحضور المهيمن بنعومة ومن غير ضغوطات ثقافية ، وكأن يوسف زيدان ولأول مرة في السرد العربي / الذكوري انحاز بشفافية للخطاب النسوي وتكلم بلسانه واختصر نموذجه الرجولي بوضوح تام ، وارتضى المجاورة للنسوية كآراء وثقافة ومفاهيم . حاز السرد في رواية " ظل الأفعى " على الشعر في انزياحاته وانكسار لغته المرممة بالبلاغة والقوة الدلالية وانفتاح القيمة الفنية العليا . من هذا كله تميزت هذه الرواية الجديدة ، وكشف مبدعها يوسف زيدان عن رضا بقبول المرأة لخطاب ثقافي وفكري ، والتجاور معاً من غير ان تبرز العقد الذكورية واخضاعاتها القاسية . بل استطاع " عبده " بوصفه ممثلاً لخطاب الذكورة مع نايل من مرونة التعامل مع المرأة والعودة لطقوسها ، التي كانت . وإيقاظ ما تنطوي عليه من قداسة وممكنات الاستثمار ، من اجل مساعدة الذكورة ودعم حلمها بالأمن والتعالي ، وحصد ما يساعد على تطمين الرجل من الحاجة لجسد الأنثى وشحناته ، ومثال ذلك قبول عبدة / عبودي بمقترح صديقه نايل غاوي النساء من اللجوء للحشيشة والاستعانة بها واستعاد الفنان يوسف زيدان الطقوس الدينية الخاصة بإطلاق طاقة الجسد الأنثوي وتفجير مكامنه اللذّية من اجل وظيفة دينية آنذاك ، لكنها الآن ، اتخذت لها وظيفة اخرى ، لم تبتعد كثيراً عن الأصل .
المثير في هذه الرواية تنوعها واتساع جغرافيتها على الرغم من محدودية مكان الجدل الثقافي البؤري ، لكن المعاينة الدقيقة لجغرافية الرواية ، سنكتشف بأنها متسعة جداً وتاريخها طويل ، لكن يوسف زيدان متمكن تماماً من آليته الفنية في الإمساك بكل الخيوط وتحريكها لحظة رغبته . وظل الأفعى تجربة جديدة ـ كما قلت ـ وملفته للانتباه تماماً في شكلها البنائي وقوة الجدل / بين عناصرها ، الذكورة / الأنثوية ، هيمنة الزمن وطغيانه في البناء والصراع بين الماضي والحاضر ، وتباهي الماضي بطاقة إيقاع الحياة والحب والعدل والبناء غير المتوفرة كلها في الآن . قالت رواية ظل الأفعى بان المرأة عقل وجسد ، هي قادرة على الحياة والعالم بقوة عقلها وقدرته التامة وجسد يمثل مخزن لطاقة الحياة وتدفقها مع إمكانات هائلة في بث الشفرات والصراخات باتجاه الرجل ، لتستولي عليه وتبتكر كشوفات أنثوية عنه ، وعن جسده ، مخزون لأحلام الاثنين ، الرجل / المرأة . المرأة صاحبة قانون خاص بالبناء والاختراع والاكتشاف ، لذا ظلت حياتها خاضعة باستمرار لمبدأ الحركة والإيقاع .
تمكن الفنان يوسف زيدان من وحدة البناء الدرامي وتعميق حركتها السببية الهادئة جداً والحصول على دلالات التنوع العميق ، المسعفة بشعرية السرد وجمال اللغة المعجمية ، لأنه ـ يوسف زيدان ـ عارف بأسرارها وقادر على وضعها وسط سباق سردي يوفر لها شعرية عالية بعد تجريدها من قاموسيتها . ولم تكن غريبة في سياقات السرد ، بل هي حاضرة وكأنها متداولة منذ زمن بعيد ، كما تميزت بجمال بلاغتها وإيقاعها . فاللغة لدى يوسف زيدان توظيف ، وحده القادر على جلو الغبار عنها والعلاقة الذكية هي تجعل منها حاضرة او منفية.
كشفت رواية " ظل الأفعى " وجهاً فنياً جديداً للمبدع يوسف زيدان ، انه وجه المبدع المعرفي الحامل لخزين ميثولوجي مهم جداً . فهو يعرف بشكل ممتاز كل ماله علاقة بنسق الإلهة الأم وسلطة الألوهة المؤنثة ، بما في ذلك نصوصها الأسطورية والشعرية وتنوع طقوسها وسحرياتها الممتدة في بلاد سومر ابتداء وصعوداً نحو جغرافيات الشرق الأدنى القديم . العودة للأسطورة وشبكتها الرمزية والعلاقات الثقافية وإغناء حقيقي لهذه التجربة الفنية المهمة جداً . والقارئ لأعمال يوسف زيدان يعرف شيئا عن قدراته الفنية وثقافته وعمق أفكاره وحيوية تجاربه السردية . فكانت روايته " عزازيل " هي التي نبهت لوجود روائي كبير ، وظف فيها حضارات الشرق القديم والصراع الفكري بين الآلهة القديمة والدين المسيحي الجديد . هذه المهمة مثيرة تماماً ، لكن لا احد توقف عندها وكتب رواية عنها ، على الرغم من أهميتها . لان تشكل ديانة جديدة ، يعني وجود صراع محتدم بين السائد من الثقافات والدين وسيظل هذا الجدل حاضراً فترة طويلة جداً ، لان الجماعات لا تستسلم بسرعة ، ولا تنقطع عن آلهتها . كما في روايتي "عزازيل" و"النبطي" . جعل منهما يوسف زيدان معياراً فكرياً للكيفية التي انبثق فيها الإسلام من المسيحية . وأظن أن روايته النبطي لها أهمية بالغة للملاحظة التي أثرناها وهي الجدل الفكري والصراع الدموي الذي شهدته المسيحية مع الوثنية ، وعرفه الإسلام مع المسيحية .
عرفنا الفنان يوسف زيدان من روايته "عزازيل" قبل أن نطلع على روايته الأولى ظل الأفعى بطبعتها السادسة عام 2012 . كلتاهما امتدا عميقاً في الأسطورة والطقوس . مع العلم بأن "عزازيل" لها أسطورتها وطقوسها الدينية المختلفة كلياً عن الأسطورة في رواية " النبطي" لكن الوفرة الأسطورية واتساعها تبدّت في رواية ظل الأفعى . وتحكمت الميثولوجيا بالسرد ، ولا يمكن قراءة الرواية بعيداً عن الميثولوجيا في الشرق الأدنى . بمعنى لا يتم التوصل إلى رسائل السرد وشفراته إلا بعد معرفة ما له علاقة بالأم الكبرى التي أنتجت خطاباً ثقافياً ودينياً في الشرق وتسيّدت آلاف السنوات ، ولعبت دوراً في إنتاج وصياغة وحدات ثقافية هي التي أفضت نحو النسق الأمومي في الحضارة الإنسانية .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

مقالات ذات صلة

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب
عام

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

جورج منصور تمرّ في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 2025 الذكرى العاشرة لرحيل الدكتور فائق روفائيل بطي (أبو رافد). وُلد في بغداد عام 1935، وحصل على بكالوريوس في الصحافة من الجامعة الأميركية في...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram