TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > ابن الاثير ومحنة اعلام السلطة

ابن الاثير ومحنة اعلام السلطة

نشر في: 16 يونيو, 2014: 09:01 م

عندما أفاق بطل رواية الطاعون لألبير كامو ذات صباح و أدرك أن الوباء زحف الى الشارع الذي يسكن فيه قال لزملائه: "حين يعم الطاعون تزحف المقابر إلى قلب المدينة".. قبل اشهر انهالت فأس الإرهاب لتقطع رأس ابو العلاء المعري معلنة عصر غياب الحكمة.. مثلما انهالت فأس أخرى في مصر لتقطع رأس طه حسين في محاولة لإجبار مصر على الانسحاب من عمادتها للثقافة والفنون والفكر.. ولم تكن القضية في قطع رؤوس رموز النهضة العربية.. لكنها في الجماعات الظلامية التي لا تريد للناس أن تعيش في النور.. فالفأس دائما حاضرة ، وهي نفس الفأس التي هدمت امس قبر صاحب موسوعة الكامل في التاريخ " ابن الأثير ".
درس العلامة جواد علي أخبار وأحداث ابن الاثير وحفظها واطّلع على معظم ما كتب عنها وكل ذلك في إعجاب شديد وحب صادق، وكان جواد علي ابن الكاظمية يعرف أن الموصلي " ابن الاثير" ينفر من الحكايات التي تريد ان تحول التاريخ الى مجموعة أساطير وخرافات، وعندما أصدر جواد علي موسوعته الشهيرة "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام" كان يريد ان يرد فيها على الذين يتخذون من كتابة التاريخ منهجا في تزوير الحقائق، لأنه كان يرى في درس ابن الاثير: "ان المؤرخ يجب ان يكون واعياً متماسكاً مدركاً لنفسه ولتجربته، وهو يدرس احوال الزمان والبشر"، ولم يتصور صاحب المفصل، ولا الرجل الراقد في طمأنينة نينوى ان الفأس ستنهال يوما على "الموصلي" لأنه تفرغ لتهذيب تاريخ العرب والاسلام من "الخزعبلات".
في الفيلم الشهير "فهرنهايت 451" للمخرج الفرنسي فرانسوا تروفو والذي تدور أحداثه في دولة تمنع فيها الكتب، وجميع المواد المطبوعة، يقوم رجال الإطفاء بإحراق الكتب بجميع أنواعها، كان ذلك فيلما من الخيال ، اما الواقع فانه ينبئنا بان الفؤوس لم تصنع لقطع الكتب وانما لتمزيق اجساد مؤلفيها وبعثرة أشلائهم.
عندما نعود إلى قراءة زحف الطاعون على البلدان، نجد أن محطاته الرئيسية في أهازيج هتلر وموسوليني وكتابات ميكافيللي ، وفقاعات القذافي، وبندقية صدام وفشل ساسة السلطة.. الم يقل روبسير: "من أجل تأمين الهدوء العام يجب إزهاق 200 ألف رأس. العنوا المعتدلين. شقوا ألسنتهم. اقطعوا إبهامهم".
هناك نوع من البشر، يعتبر قتل الانسان متعة واجرا وثوابا عند الله ، وهناك نوع اخر يريد منك ان تصمت على ما يجري من حولك، وان تسكت على الخراب وان تصفق للفشل ، وهؤلاء لايختلفون عن اصحاب الفؤوس سوى انهم ارتضوا الصمت المريب على مايجري.
دائما ما أعود الى ونستون تشرشل الذي قال ذات يوم "ان الديمقراطية هي افضل الأنظمة السيئة لكن عندما تسوء يكون سوؤها فظيعا"، وسوء الديمقراطية هو الذي جعل تشرشل يحترم الإعلام حتى حين وجه الاخير سهام النقد اليه ودفعه الى ان يتقاعد، يذكر المؤرخ البريطاني جيفري وبست احد ابرز كتاب سيرة رئيس الوزراء البريطاني السابق، ان تشرشل حظي بنصيب وافر ومتعدد الجوانب من المقالات والتقارير التي هاجمته، فمن التهم التي وجهت له آنذاك هي بيع بريطانيا بسعر زهيد إلى الامبريالية الاميركية الجديدة.
ويضيف كاتب السيرة ان تشرشل حين قرأ هذا التقرير ابتسم وقال لأحد ضيوفه "هل تصدق، لم اقبض عمولة هذه الصفقة بعد" ويتساءل المؤرخ جيفري وبست ما الذي يستطيع السياسيون الآخرون إضافته إلى سجل تاريخ حياتهم اكثر من خدمة وطنهم خلال سنوات حرب ضروس؟ واي رجل آخر غير تشرشل حين يواجه عاصفة إعلامية شرسة يتقبل الامر ويذهب ليجلس في بيته الريفي، ليكتب مذكراته.
في كل مرة تعود النغمة هذه تتردد: الحق على الإعلام.. وكأن الواقع الذي نعيشه غير مأزوم أصلا.. وكل ما يكتب ويقال في الاعلام هو مجرد لغوٍ وبهتان تبطله الوقائع والشواهد، التي تؤكد بأننا نعيش أزهى عصور الاستقرار الأمني، ولهذا خرج علينا قبل يومين احد حاملي بخور إعلام السلطة وهو يحرض ضد زملاء له في هذه المهنة، لانهم تجرؤوا وناقشوا اسباب الانهيار الامني في الموصل، فهم في نظر حامل المبخرة يسيئون لمكانة العراق الجديد، من خلال سطور عملية تريد أن تحرف الحقائق وتوهم الناس بالخراب الذي يحاصرهم، بينما الواقع يقول إننا نعيش أزهى عصور الامن والأمان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 1

  1. علي ابوخمسي

    لابد ان نبقى نطرح شعار العقل

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram