TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > الفنان الذي أهدى مدينته ألف لوحة

الفنان الذي أهدى مدينته ألف لوحة

نشر في: 11 يوليو, 2014: 09:01 م

سحبت خطاي وأنا أخرج من محطة مترو سان جورج في باريس ، أبحث عن الاتجاه الذي يؤدي الى متحف الرسام غوستاف مورو ( 1826 – 1898 ) ، كان عليّ أن أعبر بضعة شوارع ، لتطل يافطة صغيرة برأسها من بعيد وهي تشير الى مكان متحف هذا الفنان الذي طالما حلمت بأعماله وأجوائها السحرية الغامضة . دخلت من الباب الخشبي المليء بالزخارف والذي يؤدي الى سلّم في نهايته طاولات كبيرة تتوزع عليها مطبوعات وكتب كثيرة عن الفنان وبطاقات تحمل لوحاته . من هناك بدأت أتجول في المتحف الذي كان في الأساس بيتاً للفنان ، ومرسماً كبيراً يرسم فيه لوحاته ويعطي دروساً في الرسم .
قُبيل وفاته ، كان هذا الفنان العبقري قد منح بيته مع ألف لوحة زيتية ومائية إضافة الى سبعة آلاف تخطيط الى مدينة باريس ، وبقي قبل رحيله أشهراً ، يرتب الأعمال ويصنفها ويعلقها حسب حجمها وموضوعها وتاريخ رسمها ، حيث أن كل ما رأيته كان قد علقه هو بنفسه قبل أكثر من 116 سنة ! أعمال عملاقة أراها أمامي في قاعة مترامية الأطراف بحيث يتجاوز ارتفاع بعض اللوحات الأمتار الخمسة . بعد أن تجولت بين الأعمال وسحرها الأخّاذ ظهر وسط القاعة سلَّم لولبي يعود طرازه الى بداية القرن التاسع عشر ، سلكته الى الأعلى واذا بي أمام قاعة أخرى بحجم القاعة العملاقة الأولى ، يا للدهشة وأنا أرى كل هذا الجمال وقد قام به رجل واحد يدعى مورو ، رسام باريس وقدوة فنانيها ، مؤسس الفن الرمزي ومعلم الرسامين الكبار .
ولد هذا الرسام العجيب في باريس ودرس في مدرسة البوزار للفنون ، وبعد تخرجه بسنوات أعطى دروساً في نفس المدرسة ومن تلاميذه هنري ماتيس والبير ماركيه وجورج روو . استمد مواضيع أعماله من الميثولوجيا عادة ، وكان يغطي لوحاته بمسحة من السحر والغرابة والحكايات القديمة . ومثل أي فنان في ذلك الوقت ، سافر مورو الى إيطاليا ليطلع على أعمال الأساتذة العظام ويدرس أعمالهم عن قرب . وحين عاد الى فرنسا اشترك في صالون باريس الشهير من خلال لوحته الكبيرة (أوديب يلتقي مع أبي الهول ) سنة 1864 ، وهذه اللوحة هي التي أدخلته عالم الشهرة والمجد وأعطته مكانة كبيرة بين فناني باريس في ذلك الوقت (كان الرسام أنغر قد رسم نفس الموضوع سنة 1808 ، لكن بطريقة كلاسيكية ) . بعدها توالت أعماله المهمة مثل (سالومي ) و ( سباستيان وأنجلين ) وغيرها الكثير . ومن أهم ما قام به في حياته هي الأعمال التي أكملها سنة 1881 والخاصة بكتاب ( فابلس ) للشاعر والكاتب لافونتين ، وقد وجد في هذا الكتاب ضالته لأن موضوعه كان حول بعض الحكايات الأسطورية التي تتناسب وتنسجم مع رؤيته كفنان . نفّذ مورو رسومات الكتاب بألوان مائية وبطريقة جديدة وغير معروفة وقتها وعلى سطوح مغطاة بمادة تشبه الشمع أعطته تقنية فريدة من نوعها ، وقد تفرغ لهذه الأعمال خمس سنوات كاملة ، لتخرج من بين يديه تحف لا يشبه جمالها شيئاً آخر .
يعتبر مورو أحد المؤسسين الكبار للفن الرمزي كما ذكرت ، وقد تأثر به فنانون كثيرون ، ووصل تأثيره حتى الى السرياليين فيما بعد ، وهذا ما ذكره أندريه بريتون أكثر من مرة . ومثلما كان هذا الفنان يستلهم مواضيعه من الأساطير القديمة والكتب المقدسة ، فهو كان يعتمد في تقنيته على الألوان الكثيفة وطبقاتها التي يضعها واحدة فوق الأخرى ، ويعالج أجزاءً كثيرة من لوحاته على طريقة المنمنمات أو التفاصيل الصغيرة التي تحتاج الى عين فاحصة لتراها وتطّلع عليها . والشيء الذي يضيف غموضاً لأعماله هي تلك الألوان القاتمة التي يضعها في ثنايا لوحاته بحيث تخرج الشخصيات المرسومة من الظلمة ، يتلألأ فوق وجوهها شيء من النور في مشهد مهيب ومقدس.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: بغداد أحمد رامي

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram