TOP

جريدة المدى > عام > لماذا يرتد بعضهم إلى الطائفية؟

لماذا يرتد بعضهم إلى الطائفية؟

نشر في: 9 أغسطس, 2014: 09:01 م

يمكن أن تفضي هشاشة القناعات، وعدم رسوخ الأفكار على أسس صحيحة في الذهن إلى خيانتها والتخلي عنها. وقد يكون هذا الموقف صادراً عن نظر علمي ونقدي عميق، وبذا يكون من الطبيعي أن ينبذ المرء أفكاره السابقة، ليقع على قناعات جديدة.. غير أن الأمر ليس كذلك مع هؤل

يمكن أن تفضي هشاشة القناعات، وعدم رسوخ الأفكار على أسس صحيحة في الذهن إلى خيانتها والتخلي عنها. وقد يكون هذا الموقف صادراً عن نظر علمي ونقدي عميق، وبذا يكون من الطبيعي أن ينبذ المرء أفكاره السابقة، ليقع على قناعات جديدة.. غير أن الأمر ليس كذلك مع هؤلاء الذين نجدهم اليوم يقفزون من منصتهم العلمانية والتنويرية ليكشفوا عن وجوههم الطائفية الكدرة.. لا يمكن أن نسمّي هذا ارتداداً بل سقوط أقنعة.. فالأمر ليس تراجعاً عن الفكر التنويري العلماني المدني المتسامح واتخاذ موقف طائفي، في لحظة غفلة، أو تحت ضغط عامل خارجي.. يمكن للإنسان المصاب بمرض الجهل أن يتخذ موقفاً طائفياً يصل حد المغالاة كرد فعل على سلوك الآخر الطائفي، لكن المثقف الحقيقي المؤمن بالفكر المدني التنويري لا يبني قناعاته ومواقفه على ردود الأفعال.. وشخصياً أعتقد أن هؤلاء ( أدعياء الثقافة ) المنكفئين لتوِّهم إلى الطائفية إنما كانت الطائفية تعيش ـ كجرثومة نائمة ـ منذ وقت طويل، في لا وعيهم؛ في قاع تكوين تفكيرهم ورؤيتهم إلى أنفسهم وإلى الآخرين والعالم. ومثل هؤلاء لا تحتاج إلا أن تضعهم في حالة اختبار بسيط كي تطل طائفيتهم عليك برأسها القبيح. وما يمر به العراق اليوم من هجمة إرهابية شرسة، وصراعات بعض النخب السياسية الضارية على السلطة، توفر شروط مثل ذلك الاختبار.. ثمة أمثلة كثيرة بهذا الخصوص، نراها في كل يوم عبر قنوات الإعلام، ومنابر السياسة والثقافة، ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت.
أن تتعاطف مع وضع طائفتك، وتدافع عن حقوقها وتحاول حمايتها، وحتى حين تتبنى ثقافتها لا يجعلك طائفياً.. الطائفية أن تنطوي على شعور فحواه كراهية الآخرين ـ من غير المنتمين لطائفتك ـ وازدرائهم بشراً وثقافة وتاريخاً وخيارات، والحط من قيمتهم، والعمل على سلبهم حقوقهم، حين تتمكن، وإيذائهم.
ليست الطائفية حالة موروثة تنتقل عبر الجينات.. إنها ثقافة يستقيها المرء من بيئته الأولى في مراحل الطفولة واليفاعة، أو حتى بعد ذلك. وهي بحاجة إلى مناخ خاص كي تنتعش وتتحول إلى سلوك اجتماعي وموقف فكري وأسلوب حياة. لكن الطائفي، في الحوال كلها، فرد متعصب، وربما كان التعصب عند بعضهم استعداداً فطرياً وبذرة ثاوية في النفس.. ونرى نماذج منهم حولنا؛ تجد شخصاً معيناً متعصباً لحزبه السياسي، لينقلب متعصباً لدينه بالثوب الطائفي، أو لعشيرته ومنطقته الجغرافية. وفي النهاية هو ليس سوى فرد مصاب بعاهة نفسية. إذ غالباً ما تتمثل الطائفية بحالة عصابية تنعكس في شكل فائض من الانفعالات والعواطف السوداوية المضطربة، وليس من المستغرب أن تؤدي إلى ممارسة العنف ضد الآخر.
وإذا ما قلنا أن كل إنسان يسعى لتأكيد ذاته، فالطائفية طريقة بهذا الصدد. لكنها طريقة شوهاء زائفة تصدر عن شعور بالنقص وإن بدا المتعصب في الظاهر في صورة المتبجح والنرجسي والمتعالي.. يقوم الشعور الطائفي على الارتياب وعدم الشعور بالأمان والاضطراب النفسي وعدم الثقة ليس بالآخرين وحسب وإنما بالنفس أيضاً.
والطائفي أخيراً هو إنسان، نتيجة عوق روحي ما، فقد احترامه لنفسه، ولا يتقن فن الحب.
تجاوز الطائفية لا يحدث إلا عبر تجربة فكرية عميقة؛ أنْ يتعلم الإنسان كيف يصغي للآخرين ويحترم قناعاتهم وخياراتهم وأن يتقن فن الحوار، وأن يؤمن بالقيم الإنسانية العليا وفي مقدمتها؛ المحبة والعدل والتسامح..
مع من تخطوا سن المراهقة تكون المحاولة شائكة وعسيرة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

الـهـويـّة الـوطـنـيـّة: صراعٌ آيديولوجيٌّ أم ضرورة وجوديّة؟

قبل رفع الستار عن دراما رمضان: ما الذي يريده المشاهد العربي؟

بروتريه: حسين مردان.. بودلير العصر

"حمل كاذب".. نظرة سياسية على الربيع السوري

في الذكرى العاشرة لرحيل عميد الصحافة العراقية: فائق بطي.. الصحفي الباحث عن الحقيقية لا المتاعب

مقالات ذات صلة

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟
عام

إرث ما بعد الدراما..أوروبا تراجع ونحن نزايد؟

ناصر طه 1-2 قبل أن نتحدث بتفصيل عن مسرحنا العربي خلال العقدين الماضيين ونحلل هيمنة العروض الـ " ما بعد درامية " على خشباتها حد إغراقها مهرجانيا علينا أن نشير إلى أن أوروبا معقل...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram