لا أظن شعبنا مر بمرحلة ظل حائرا لايدري ما يفعل فيها مثل الزمن الذي نحن فيه. فهو في السنتين الأخيرتين بخاصة، لا يدري بالسر الحقيقي لأحداث متقاطعة ومختلفة المصادر تجري حواليه. كانت الأحداث السياسية واضحة من قبل وأسباب الرفض والقبول يعرفها هذا الطرف أ
لا أظن شعبنا مر بمرحلة ظل حائرا لايدري ما يفعل فيها مثل الزمن الذي نحن فيه. فهو في السنتين الأخيرتين بخاصة، لا يدري بالسر الحقيقي لأحداث متقاطعة ومختلفة المصادر تجري حواليه. كانت الأحداث السياسية واضحة من قبل وأسباب الرفض والقبول يعرفها هذا الطرف أو ذاك.
مرحلتنا اليوم غائمة ولا وضوح فيها. يمكن ان أقول انه غموض مقصود لتمرير المخطط الذي نجهل الكثير من تفاصيله. وسنظل في هذه الرؤية وتلك وهذا التصريح وذاك وبين أنواع شتى من المتناقضات. الشعب في هذا يقدم قرابين بالعشرات، وبالمئات والجيش يُسْتَنزف عددا وعتادا وآليات، والمدن بين تسقط وتُحَرّر والشك يطال هذا وذاك والاتهامات همسا تترى.
هكذا نحن منذ سنين تتزايد الشكوك حتى اكتمل الغيم وبقينا ندور في ضباب الأحداث لا ترى ما هو أكيد ولا ندري ما سيكون.
لكنني بنظارتين نصف صافيتين أحاول تلمس بعض الأسباب وبعض التحركات، لعلي استشف ما وراء هذا الركام من التصريحات واللقاءات ولماذا احتُلت هذه المدينة ولماذا الجيش يوما بلا قائد ويوما بلا عتاد ويوما كأن الارض فارغة بيداء فجاء المسلحون من زوايا الأصقاع وفتحوا ممرا يستولون فيه على معكسر ومعدات أو على نفط أو قاعدة ويدمرون معالم ويقتلون بشرا ويحرقون قرى.
سالت نفسي: ماذا في المنطقة من أزمات أو عقد يسعون لحسمها أو لمحوها وبأية الطرق واي اتجاه؟
لنبدأ أولا بالنظر إلى بلداننا: العراق، سورية، مصر، السعودية ودول الخليج. في هذه البلدان نشات ثقافة أدبية وعلمية جديدة. هذا الجديد واضح حضوره في التفكير والأعمال المنجزة وممارسات التصنيع والزراعة والطب، فضلا عن الآداب والفنون.
إذن مجتمعات عربية متخلفة ظهرت فيها نخب ثقافية وعلماء وعموم الحياة تقترب بدرجات متفاوتة من عصرها. لماذا القلق إذن؟ لماذا مضطربة هي الرؤية للمستقبل؟ لماذا لا يشق هذا الجديد طريقه للحضارة والانسجام في العالم الجديد؟ أخيرا لماذا تتعطل الحياة الجديدة المتقدمة، وإن ببطء، لتشغلها الأحداث السياسية والانتفاضات. وماذا يعني ظهور قوى الماضي المفاجئة مسلحة بأسلحة حديثة من دول العالم الكبرى الأكثر حداثة وعلما وتحضرا؟
في الشرق الأوسط إسرائيل المحمية بأميركا فضلا عن قوتها هي. وهذه يجاورها أعداء: حماس (الفلسطينيون) والسوريون وفي لبنان حزب الله وايران تهددها وتريدها ان تزول. هذه اذن منطقة قلقة بالنسبة للولايات المتحدة، وتحتاج مشروعا مستقبليا يضع الأمور في نصابها الأميركي!
وايران عنوان بارز ومربك لأميركا فهي تسعى إلى النووي، واذا امتلكته ستصبح خطرا مهددا، أو مبتزا، لا لإسرائيل وحدها ولكن خطرا على ومهددا للخليج، وللسعودية أيضاً، أي لحراس مصادر النفط في المنطقة. وهنا يتوجب الدفاع لا عن شعوب هذه البلدان حسب ولكن عن مصادر الطاقة والقواعد العسكرية وما يمس المصالح الأميركية.
من ناحية اخرى هنا، في هذه البلدان النفطية "بؤر" تتحرك باتجاه مضاد لأنظمة الحكم وتشكل خطرا اخر: اعني المناطق الشيعية في السعودية وفي البحرين وفي اليمن ومعهم كارهو أميركا وأنظمة الحكم من المثقفين الثوريين والقاعدة وبعض من الكبار الطامعين بنفوذ اكبر او المتاجرين.
لنبدأ الكشف أو محاولة فهم التحركات المسلحة اولا: كيف تصد ايران عن أهدافها في الحصول على النووي وهي تعلن سلمية البرامج وعدوانية اسرائيل؟
اسرائيل مقابل هذا تهدد بقصف المفاعلات، كما فعلت في العراق وفي سورية ونجت من أي رد بالمثل أو من عقاب الا نفاقا دوليا بشكل احتجاجات مهذبة على اعتداءات غير مريحة للأمم المتحدة.
لكن مشروع قصف اسرائيل للمفاعلات الإيرانية عليه اعتراضات من روسيا بوصف المعتدي اميركياً على تأسيس روسي. واعتراض صيني أيضاً. فهذا العمل ان تم، يضر بإيرادات النفط لحركة الصناعة في الصين ولحركة الحياة في البلاد الصينية ثم ان هذا العمل يسقط أخلاقيا الدول المتآلفة رسميا مع اسرائيل مثل مصر وتركيا الأردن ويضع علاقاتها في مازق جديد وربما سبب تمردات شعبية مضادة، من الاسلاميين مثلا، وهذا ما تريده الولايات المتحدة. وهناك اعتراضات اخرى من الدول غير المحبة لايران، مثل دول الخليج، فما هي الضمانات لسلامتها اذا فشلت الضربة الاسرائيلية أو الأميركية؟
ولهذا بقينا في الزمن القلق. "اوباما" ينصح اسرائيل بعدم قصف المفاعلات الايرانية وهو يعمل بمحورين داخل ايران وحولها سعيا لتغيير نهجها من المضاد الى الاعتيادي الودي ضمن اخلاقيات الأمم المتحدة. وبدهاء سياسي يعمل لاحتواء ايران وإشراكها في بعض التوافقات. وهذا حل دبلوماسي غير مكلف.
لكن اميركا دولة تسعى لأهدافها. وهذه بالنسبة لها زوايا حرجة لابد من التغلب عليها وترسيخ ضمانات مصالحها. وتمكينها من التقدم إلى مناطق جديدة في العالم. وفي الوقت نفسه هي لا تريد ان تهدر قيمها الأخلاقية المعلنة والمثبتة في دستورها. فهي تتحدث بسلامة منطق مع دول العالم وتتشاور مع القيادات الأوروبية وتتبادل الراي، أو تسترق ردود الفعل، من روسيا. وتقوم بجس النبض لإمكانية التوافق والارضاء في التجارة الحرة، التعاون في مشاريع الفضاء، أو التفاهم المبطن على حصص الدول الأوروبية وروسيا من نفط الشرق الاوسط. ان فوائد النفط المستخرج ليست كلها لأميركا كما يبدو مباشرة، لروسيا حصتها ولالمانيا حصتها ولفرنسا حصتها، سواء ببيع سلاح للدول المنتجة أو بيع أجهزة ومكائن ووقود نووي.. وصولا إلى الطائرات والدبابات وإقامة المنشآت الهندسية الكبرى من طرق وجسور ومنشآت عسكرية. ضمن هذه الشبكة من المصالح تنشأ علاقات قلقة ومستقبل قلق.
والخلافات بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة، حرجة في بعض جوانبها، لكن ما يبقيها أو يرجؤها، هو الموقف الموحد من روسيا والصين.
هذا الاطار التفاهمي اهمل خطر تذمرات وعداءات محلية. وخلف فضاء فارغا لانبثاق مشاكل مناطقية دينية ومذهبية وحركة زعامات تتلقى معونات واسلحة لتتغلب على خصومها غير الموالين لاميركا أو لفرنسا وحتى لروسيا.
بدأت المليشيات المسلحة تهدد الحكومات المحلية وتربك أعمالها وتغير مناهجها. وظهرت في المنطقة حركة خطيرة ذات أصول دينية من تلك المزمنة في المنطقة. زادتها قوة اولا اعتماد اميركا عليها لتنفذ بعض مهماتها في هذه الأقطار. اميركا كما هو معروف تدعم وتغذي الاخوان المسلمين بإيحاء إلى السعودية بحكم الصلات الدينية. واميركا قبل هذا وبعده اعتمدت طالبان في زحزحه الروس عن افغانستان وهذه اليوم غير مستعدة للتخلي عن مبادئها بعد انتهاء الاميركان عنها. هذه مصادر قلق جديدة في المنطقة. تعددها واختلاف توجهاتها الظاهرية، جعلنا نحن لا نقرر رايا اخيرا ولكن الولايات المتحدة تعلم جيدا ما تريد انجازه من أهداف قريبة وبعيدة.
الولايات المتحدة انسحبت من العراق بعد غزوه وقد تركزت قوة الأغلبية الشيعية التي عانت من اضطهاد صدام حسين. وهنا وقع جور أو عقاب على المقربين من صدام حسين وبينهم العديد من الضباط الكبار في الجيش والشرطة ومن الوزراء والمدراء العامين والمتنفذين من شيوخ العشائر.
لم تفعل اميركا هذا حبا بالشيعة ولكنها هيأت أرضية لخلافات فادحة استغلتها أو اشتملت عليها التشكيلات المسلحة والتي صار بعضها جزءا من داعش وبعضها مواليا لها وصنعت لها غطاء أو حاضنات. استفادت الولايات المتحدة من هذه في الضغط على المركزية الشيعية في العراق وحققت انتصارا هادئا، هو انتصار السعودية وتركيا والخليج وحتى اسرائيل.
خلال هذا يستمر التقارب أو محاولة احتواء ايران بالتفاهمات الودية والمرضية والتي تعد خيرا. ولكن هذا التقارب ليكون حقيقيا يجب إشراكها في الفعل السياسي، ان تكون شريكا. مثلما فعلته الولايات المتحدة مع كوريا الشمالية. لكي تدخل في حوار مثل هذا مع ايران يجب ان توقف اتهاماتها وتتساهل مع نزوعات ايران وعلى ايران من جانبها ان توقف أو تبطئ برامجها النووية. لكن هذه التوافقية لا تريح اسرائيل!.
هذا إرباك اخر وتعمية. فمثلما أضفت التصريحات واللقاءات غموضاً وعدم وضوح، أضفت الإجراءات على الأرض إشارات مقلقة وصارت تثير الارتياب. الراي العام في مناطق الفعل ظل على غير يقين مما يسْمَع وحتى مما يرى. فالعقل السياسي الإيراني ليس عقلا سهلا. ايران من جانبها لا توقف برامجها النووية، قد تبطؤها مناورة. ومسالة التطبيع ليست لعبة يمكن تغيير الساحة أو الحَكَم ليحل الخصام. والولايات المتحدة من جانبها تتحدث بما يريح ولكنها تضمر السعي لتحقيق أهدافها وتفكر بكسب الجولة.
خلال هذه المسافة الزمنية، لا يمكن ان تترك الولايات المتحدة المنطقة. هو وقت ملائم لها وفترة التفاهم هذه تستفيد منها لحسم المسالة السورية، وهذه تلاقي ارتياحا لدى اسرائيل مع مداراة ايران وأنصاف، أرباع، الموافقات في المفاوضات عن النووي. اميركا تعلم جيدا ان الوصول لحسم مع ايران يتطلب، ضمن ما يتطلبه ضمانات أمنية وعدم ضرب سوريا في حال احتكاكها مع اسرائيل في الجولان أو الصدام مع المعارضة قريبا من حدود اسرائيل. لكن اسرائيل لا تريد هكذا نتيجة هي تريد فرصة للخلاص من سوريا الأسد وحزب الله.
كيف تحل المشاكل اذن؟ العراق الذي صنعوه بعد صدام حسين فيه ما لا يسرهم. البؤرة الشيعية المتضخمة في العراق موالية لايران. وسورية هي أيضاً لها صلة وقربى مع ايران وكذلك حزب الله وهناك تحفظات من قصف المفاعلات النووية الايرانية والسنتان المقررتان للحصول على قنبلة نووية تتناقص كل يوم.
وهناك على حماس ان تختار بين ان تواصل اطلاق الصواريخ ومعاداة اسرائيل وبين وجود اسرائيل وإقامة نظام مدني للفلسطينيين يمهد لحياة مدنية منسجمة واسقاط الحلم الخمسيني الذي يتاجر به قادة حماس اليوم، بدولة وجيش وموانئ وطائرات بانتظار تحرير كامل التراب الفلسطيني...
وهكذا هو الحال :العمل جار على استنزاف الجيش السوري واستنزاف الجيش العراقي، ودمرت غزة، فارتضت بالنتيجة الفاجعة ما دامت توفر فرصة مجيء المساعدات "للإعمار" (وللامور الاخرى..) والاف القتلى والجرحى قرابين.. اما في العراق فقد ازداد العمل تعقيدا وشراسة داعشياً وعشائريا وطائفياً لغرض الاقليم السُني: الموصل، صلاح الدين الرمادي.. الذي يعزل العراق الشيعي وايران عن البحر الابيض أي عن سورية الجديدة ولبنان واسرائيل، ويكونون قد تخلصوا ضمناً من حزب الله..