TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > يوميات الهلع والموسيقى مقاطع من كتاب "الحرب والمنفى"

يوميات الهلع والموسيقى مقاطع من كتاب "الحرب والمنفى"

نشر في: 1 نوفمبر, 2014: 09:01 م

2
بغداد 2006
كنت امرأة تجازف كل برهة وتراوغ موتها ، أتجول بين الوحوش البشرية التي ترفع سيوفها الصدئة، تحزّ بها رقاب الخارجين على الخرافة والذاهبين إلى سلطة العقل. ألوذ بالموسيقى فلا أسمع رصاصهم وصرخات الهلع ولا أكتفي بمغامرة العيش بين القاتل والقاتل إنما أضيء لحظتي بوعي ما يجري وما سيجيء، أقطف لحظات تأمل تنتشلني من رجفة الرعب وكوابيسي وأكشف صورة الوحش المتربص بنا، المتربص بي والمتشهي قطف رؤوسنا.
وحدي أطوي المسافة بين موتي الوشيك وموتي المؤجل بمحض مصادفة ويحرسني سر الموسيقى ، تأتي الكلاب الضالة إلى حديقة بيتي بأشلاء الضحايا فأجد ذراع امرأة وكف طفل وأسمع استغاثات مروعة وأرى مصيرنا موكولا لقاتل وكلب وغراب.
لا شيء أشد توحشا من وحدة امرأة في بلاد القتل والسبي والمقابر، لا أرى في وحدتي أحدا غير صورتي تتكرر في المرايا ، وغير ملامحي تتغضن وتذوي حين لا تؤكدها نظرة الآخر، ولا تنال من التأويلات والتساؤلات ما يخفف هلع القلب ويرجئ خطوة الموت، أولادي كلٌّ في بلد، وأنا أتشبث ببقائي في بغداد وامتزاج رمادي برمادها ، أدير مجلة "هلا" الثقافية واكتب فصولا من روايتي وأحلم بسلام ترتجيه أرواحنا كل غروب فتفجعنا سيول الدم لدى كل شروق وتروعنا صرخة والدة ملتاعة بولد مخطوف أو اغتصاب صبية يافعة.
في وحدتي أعيش بين الموت و"الأنا" المكابرة التي تمارس الإنكار وتدعي شجاعة لايملكها سوى المنتحرين ، فحين لا يعود أحدنا قادرا على رؤية وجه الآخر أو سماع نبرته أو تلمّس حنانه ، عندئذ، ينكفئ كلُ واحد مناّ على وحوشه الشخصية تلتهمه ويلتهمها ويرسل أيّ آخر إلى الجحيم.
أغامر كمجنونة بالعيش وسط حدائق الموت المزدهرة بجثث مجهولة ورؤوس مقطوعة وصمت يمارسه جيلي من المثقفين والكتاب تقية أو خوفا وانسحابا ، بينما تتصاعد نبرة التجهيل والتحريم وإهدار الدم ، إنها لمجازفة عبثية أن أحيا وسط المجزرة وإنه الجنون ولا مفر ، بيتي محاط بحشود المتطرفين وهجمات المتعصبين الساعين لفرض ثقافة واحدة على شعب متشابك الأعراق والثقافات، أسمع عويل الرجال الجارح في المساء ، حيث أقدم المتطرفون المتوحشون على قطع سيقان ثلاثة شبان لارتدائهم الشورتات بحكم عملهم مدربين في مسبح ( الرشيد) في حيـّنا المشتعل، يطوقني نحيب البنات اللائي قتلت زميلاتهن في الحافلة الصغيرة وهن عائدات من عملهن في أحد البنوك مكشوفات الرؤوس بلا حجاب، أطلق الملثمون نيران رشاشاتهم عليهن ثم عمدوا إلى قطع رؤوس ثلاثة منهن ودحرجوها على رصيف شارع العامرية ، يتضاعف رعبي وسط الصراع وتحاصرني خطى القتلة ليلا و تهديدات مجهولين تنذرني بقطع الرأس إن واصلت الخروج إلى عملي ونشر كتاباتي.
وكمثل كدحي اليوم في تيه الغربة، كنت أكدح في نهارات القتل من أجل رغيف خبز و بضعة لترات من نفط أو عشرة لترات من البنزين لتشغيل مولدة الكهرباء، ترافقني كل ليلة شخوص روايتي وتؤازرني بضعفها وبسالتها وأنا أنتظر الموت قتلا على الهوية وأتساءل: ترى على أية هوية سأُقتل؟ امرأة أو كاتبة أو علمانية أو ما لا أدريه من التصنيفات؟
..يحدث صدع في الزمن فتتفتح زهور الحديقة بشائرَ ربيع واعدٍ بالأمل وتشكل مع الموسيقى خلفية الحياة الحلمية الداعمة لروحي المستوحدة فتدوزن الموسيقى والنباتات بقائي وسط متاهة الموت وأفكر: لو لم أكن كاتبة لكنت أصبحت عازفة كمان أرعى وجودي بأصواتٍ سماوية وأشتبك مع الكون والزمن لأغادر أرض الرعب إلى ترنيمات وأغنيات حب وأعزز إنسانيتي بحلمٍ ورؤيا.
 يتبع

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: الجواهري ونوري سعيد و"الزعاطيط"

العمود الثامن: لماذا غاب الرئيس؟

فرانسو حريري.. سيرة مناضل حمل التعددية في قلبه ومضى

العمود الثامن: لا تطلبوا منه أن يعتذر

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

العمود الثامن: حتمية الشابندر الطائفية

 علي حسين منذ أيام والجميع يدلي بدلوه في شؤون السياسة الاقتصاد واكتشفنا أن هذه البلاد تضم أكثر من "فيلسوف" بوزن السيد عزت الشابندر، الذي اكتشف بعد جهد جهيد أن هناك كتاب لكارل ماركس...
علي حسين

باليت المدى: صانعة السعادة

 ستار كاووش متعة التجول وسط المدينة لا تساويها متعة، حيث المفاجئات تنبثق هنا وهناك مثل أقمار صغيرة. وأنا بدوري أُحب متابعة التفاصيل التي لا تهم الكثير من الناس، وأتوقف عند الأشياء والسلع والبضائع...
ستار كاووش

المعضلة الاقتصادية

محمد حميد رشيد ليست مشكلة العراق الأولى هي إختيار رئيس الوزراء أو رئيس جمهورية بل في أختيار حكومة تستطيع عبور المعضلة الإقتصادية العراقية والتي فشلت كل الحكومات العقائدية منذ 2003م لغاية الأن في تجاوزها...
محمد حميد رشيد

قضية إبستين.. فضيحة تهز أركان السياسة والإعلام

محمد حسن الساعدي تُعد قضية الملياردير الأمريكي جيفري إبستين واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في العقدين الأخيرين، ليس فقط بسبب طبيعتها الجنائية المرتبطة بالاتجار الجنسي بالقاصرات، بل لأنها كشفت عن شبكة علاقات واسعة...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram