TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > دوبريه وحديث الانبار

دوبريه وحديث الانبار

نشر في: 30 نوفمبر, 2014: 09:01 م

العام 1965 يرمي الشاب ريجيس دوبريه متع باريس ولياليها الساحرة وراء ظهره ، متجها صوب كوبا حيث يبدا اولى رحلاته في عالم الثورة الضاج بالمواقف والحروب والسجالات.. ابن العائلة الثرية لم يحمل معه سوى حقيبة ملابس وكتاب الثورة المغدورة لتروتسكي..هناك تبدأ رحلته الأولى في الجبال والأدغال برفقة جيفارا وكاسترو، بعدها نجده يلتقط صوراً تذكارية مع سلفادور إلليندي في سانتياغو.
طوال اكثر من اربعة عقود سيطر دوبريه على المشهد الثقافي الفرنسي، مرات يهاجم ديغول الذي كان ينتهز الفرص ليستمع الى اراء الفيلسوف الشاب ، ومرة اخرى مستشارا للرئيس ميتران : " ذلك المعتدل الرائع القليل الحذر"ومرات كثيرة باحثاً عن المغامرة الإنسانية.
قبل ايام أعادتني قراءة كتاب دوبريه "مذكّرات برجوازي صغير" إلى تلك السنوات التي كان فيها هذا الكاتب الصغير بمثابة الملهم بالنسبة للشباب الأوروبي في ستينات القرن الماضي، حيث التمرد والمطالبة بالتغيير كانا شعار صاحب"الثورة داخل الثورة."
في الزنزانة التي دخل إليها سجيناً يجلس دوبريه ليجري مراجعة لموقفه كمثقف من الأحداث التي تجري حوله، يكتب، يدوِّن ملاحظاته ويتساءل: أين المثقف من كل هذا؟ كان ذلك عام 1967.
مَن هم المثقفون، وما دورهم؟ هذه الأسئلة يحاول الإجابة عليها في كتابه الذي يُعد أشبه بمذكرات ويوميات لشاهد على العصر.
يحاول دوبريه أن يعطي تعريفاً للمثقف:"إن ما يجعل من فرد ما مثقفاً هو قدرته على تجاوز الحقل الضيق لاختصاصه، المثقف هو الشخص الذي يتدخل في ما لا يعنيه، ويمتلك القدرة على الجهر بالحقيقة"، يمكن أن نسأل: هل تشكل دعوة دوبريه إلى مثقف سياسي، أم أنها كانت استجابة منطقية لقضايا عصره الملتهبة؟ سواء أكانت العلاقة قوية أم واهية، فإنها بالتأكيد انعكاس لذلك الالتزام الأخلاقي الذي لا وجود للمثقف من دونه، وقد نسأل أيضاً: ما دور المثقف في مجتمع لا ثقافة فيه ولا يميل إلى إنتاج المثقفين الحقيقيين ،أو ما وظيفة المثقفين في مجتمعات تجتهد سلطاتها في تدمير العقل وتبديد الحقيقة؟ لا جواب إلا في ملحمة الصح، التي أعارها دوبريه حياته وعقله وقلمه.
يكتب دوبريه أن العلاقة بين الكاتب ومحيطه علاقة عضوية، وهو يؤكد أن الكتابة المراوغة تنتج واقعا مراوغا وفاسدا، كما أن الواقع الفاسد يسفر عن طبقة فاسدة من الكتّاب والانتهازيين الذين تجدهم يتغنون بمصطلحات عن الحرية والتضحية والمستقبل ، لكنهم في الحقيقة يروجون لأفكار زائفة تخفي داخلها كل مخاطر التخلف والانتهازية.
في باريس التي عاد إليها بعد سنوات الاسر يسأله ميتران هل سنضطر يوما لأن نخوض حروب جديدة؟ فيجيب بحدة"بل سنخوض حروب من اجل الاستقرار والرفاهية"
في بلاد الرفاهيات الحديثة قامت قيامة البلاد ، لان أمراة اهملت، فنست طفلها في السيارة وذهبت تسهر مع صاحباتها! هناك وجهت للام تهمة الاخلال بالقيم الاجتماعية، وأتمنى عليكم ألّا تبحلقوا في الكلمات تعجبا وتشمتا وتذمرا، نعم الأخلال بقيم المجتمع.. أما موت 1500 طفل في مخيمات الاجئين، فلا أخلال ولا هم يحزنون مجرد حادث، سيتكفل الزمن بشطبه من الذاكرة ، او تضاف أرقامه الى قائمة الموتى التي سندخل بها يوما ما موسوعة غينيس للارقام القياسية ، وماذا عن المشردين والمهجرين؟"انتظروا"الفرج قادم، فقد بشرنا فخامته من بيروت"لم يبق إلاّ الموصل".. فخامته ينسى الانبار ثانية.. لا ياسادة لقد اخبرنا قبل 300 يوم بان القوات الأمنية تمكنت من القضاء على جميع مقاتلي التنظيم الارهابي"ها قد عدتَ ثانية لحديث الثورة ومقولات"فخامته" !
يكتب دوبريه :"في ازمنة الرداءة من النادر أن نعثر على سياسي يتحمل المسؤولية بشكل جاد".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

جميع التعليقات 4

  1. ابو اثير

    شخصيات سياسية وأجتماعية مثل المالكي والجعفري والسنيد والحسن والبياتي والعامري والخزاعي والشلاه وسعدون الدليمي ومشعان الجبوري والفتلاوي والنصيف والريس وآخرون والذين يتصدرون المشهد السياسي منذ أحدعشر عاما لو أن الكاتب دوبريه عاش في زمانهم لأنتحر مثلما أنتح

  2. ابو سجاد

    يارجل تتحدث وكانه امامك سياسيين او لهم اجادة في العمل السياسي لاياسيدي رجاء عليك ان تلغي من بالك ان هناك سياسي في هذا البلد ومن الممكن ان تخاطبه لان هؤلاء مجموعة من العصابات التي جاءت بغفلة من الزمن كي يتحكموا بمصائرنا كما كان النظام السابق قد تحكم بنا وه

  3. داخل السومري

    يحزنني ويالمني كل الحزن والالم ان لم تقع عيني على مقال واحد من المقالات الكثيرة، التي يطلع علينا بها كتابنا ومثقفينا الافاضل اصحاب العقول النيرة،يتكلم عن نوع العراق الذي نريد.هل نريد عراقا ثقافته اللطم والخطابات الروزخونية ولبس الكوفية الوهابية الحمراءام

  4. العراق

    يأخي هل نحتاج مجلس نواب . ولماذا يصعد هؤلاء لو كان هناك قضاء عادل . اذن نحتاج ثورة في القضاء وتغيير في قانون الانتخابات ووجود قانون أحزاب . اكتب عن ذلك ارجوك . اكتبوا عن الحلول وليس المشاكل

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram