TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > كازيميرماليفيتش.. إيماءة غنج غامضة

كازيميرماليفيتش.. إيماءة غنج غامضة

نشر في: 26 ديسمبر, 2014: 09:01 م

أربع فتيات جميلات يَقِفنَ على جانبي المدخل الرئيسي لمتحف درينته ، يُوَزِعنَ بعض المطبوعات والفولدرات الخاصة بمعرض الرسام الروسي كاسيمير ماليفيتش ( 1878- 1935 )، تُحييكَ واحدة مِنهُنَّ بلطف وتبتسم أخرى وهي تَمِدُّ لك مطبوعات المعرض الملونة . يالها من بداية مناسبة وجميلة هذا اليوم للتمتع برؤية أعمال هذا الفنان الذي غيَّر نظرتنا نحو الرسم وابتعد كثيراً ومنذ وقت بعيد ليجد طريقته الخاصة والطليعية نحو الحداثة والتي أثرت على القرن العشرين كله .
هكذا أدخل الى معرض هذا الرسام وعالمه الخاص ورؤيته الفريدة التي حركت الخطوط والألوان لتصنع لنا دهشة استمرت مئة سنة وما زالت تبهر الأبصار وتحرك المخيلة . ورغم أن ستين لوحة لهذا الرسام تشكل حدثاً ثقافياً كبيراً لكن الأهم من كل ذلك هو أن المتحف قد اختار أغلب الأعمال التشخيصية ليعرضها في هذا المعرض ، هذه الأعمال التي نرى من خلالها كيف طوَّر الفنان طريقته في الرسم حيث يتداخل التجريد مع التشخيص . أرى هنا وأشاهد بتمعن ورويّة كيف اختزل هذا الفنان المهم أشكاله حتى أصبحت مجموعة من المساحات والخطوط فقط ، كيف حوَّل شكل المرأة الى مثلثين وكيف جعل المنظر الطبيعي عبارة عن سحبات فرشاة أو خطوط عريضة ممتدة افقياً على قماشة الرسم ، هذه المساحات هي نفسها التي طوَّرها فيما بعد الفنان الأمريكي مارك روثكو حيث لوَّن لوحاته بلونين ممتدين بشكل أفقي .
في بداية المعرض أشاهد في زاوية مضيئة ( قناع الموت ) أو بورتريت الفنان الذي صنعه له أحد أصدقائه بعد موته بلحظات ، وبجانبه تظهر يده اليمنى التي صنعها صديقه بنفس الطريقة ، تلك اليد التي رسمت كل هذه المعجزات وقادتنا الى عالم جديد في الرسم وابتكار الأشكال . أتجول بين قاعات هذا المعرض الذي استعاره متحف درينته من متحف الهرميتاج في مدينة سانت بترسبرغ وأرى بوضوح التغيرات التي طرأت على أعمال الفنان ، كيف تحولت أعماله من التشخيص الى التجريد ، ثم كيف خرجت أقدامه من التجريد لتؤسس فناً تشخيصياً من نوع خاص ، كيف أعاد تشكيل أعماله التجريدية من جديد ليهبنا أشكالاً لفلاحات خرجن من صمت التجريد لينعكس عليهن سحر الحقول وضوء شمس الواقع ، كيف تحولت سكونية المشهد على يديه لتصبح إيماءة غنج غامضة .
كل لوحة في هذا المعرض كانت درساً لي في التعامل مع المساحات والخطوط ، وكل لون يضعه بدراية وحساسية وخبرة هو نافذة تطل على منبع وأساس وروح الرسم . تأملت اللوحات بصبر وهدوء ، لكني بعد أن انتهيت من ذلك شعرت برغبة رؤيتها من جديد وهذا بالنسبة لي هو شغف حقيقي بالفن المهم والمؤثر . أعطيت لنفسي استراحة قصيرة في مقهى المتحف الذي يقع في مقاطعة درينته ، شمال هولندا ، نصف ساعة احتسيت خلالها فنجان قهوة مع كعكة التفاح التي تشتهر بها مقاطعة الشمال وعدت بعد ذلك لأعيش من جديد وسط ألوان وأشكال ساحر الحداثة وأهم فنان روسي في النصف الأول من القرن العشرين .
شعرت بمتعة كبيرة وأنا أنتهي من رؤية لوحات المعرض بهدوء لأمدَّ أقدامي خارج المتحف وقد استقبلتني الفتيات الأربع على الباب من جديد لتسألني أحداهن "هل أعجبك المعرض ؟" فأجبتها بطريقة مسرحية "ما أعظم ماليفيتش ياعزيزتي وما أجمل المعرض الذي يبدأ بكُنَّ وينتهي بكُنَّ أيضاً".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram