TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > عن القوارير التي تنكسر

عن القوارير التي تنكسر

نشر في: 10 فبراير, 2015: 05:00 ص

نحن نحب المرأة، ونقدسها، ونقول عنها ما لا يمكن قوله، إكراما واعتزازا بها، فهي قارورة عطرنا .واعتقد بان العراقيين من اكثر الناس تعلقا بأمهاتهم، وحرصا على شقيقاتهم وبناتهم وبنات بنات أقربائهم، وهم مستعدون للموت دفاعاً عنهن. زجلنا وشعرنا الشعبي زاخر بأجمل القصائد التي كتبت لهن غزلا ووفاء، وموروثنا حافل بالقصص التي تحاكي الجمال والعشق والتشبب.. لكننا، هل حقا اعطيناهن فرصتهن وأهميتها في الحياة وبعد الموت والوجود الانساني؟ انا لا اتهم احداً. انا أنكئُ جرحاً في قلبي، حسب .
يخرج الرجل من بيته، ثملا، او غاضباً من امر ما، شاهرا بندقيته على خصمه، وتخرج عشرات البنادق معه، من البيت هذا ومن ذاك أيضاً، هي الحرب إذن، يسقط هذا ميتا، ويلا يندمل جرح ذاك، وما ان تهدأ لعلعة الرصاص حتى يجلس الشيخان، هذا يقول وذاك يقبل، لكن الثمن باهضاً هذه المرة، فالمقتول شريف، طاهر، بطل مغوار، أثمن من اموال الدنيا، ولا تأديب لقاتله إلا بأخذ شقيقته، ابنته(فصلية). وفي ظلام ليل دامس، لا رفة لضوء فيه، تؤخذ السبيّة، معصوبة العين، متلفعة ثيابها السود الكالحة، لا يُطلق أحد رصاصة في ليلة زفافها. ومثل كيس من نفايات تحمل الى بيت لعنتها لتموت كمداً. لا لشيء إلا لأنها شقيقة، ابنة رجل اهوج، احمق حقير، أطلق النار ثملاً على معسكر خصمه فقتل أحمق حقيراً مثله .
في مشهد يومي نجد أن اليافطات التي تُعلن عن استشهاد العشرات من ابنائنا في حربهم مع داعش، لا يُذكر الشهيد فيها بانه ابن فلانة بنت فلان، أو شقيق فلانة، وأبن خالة فلانة ... فهو ابن العشيرة هذه، وابن فلان وشقيق فلان وابن عم فلان. وحين ندخل مأتم العزاء الذي تقيمه امّهُ وشقيقتهُ وخالتهُ وأبنة خالتهِ نجدهن الاشد حزناً والأكثر فجيعة. وما بكاء والده وشقيقه وابن عمّه سوى قطرة صغيرة في بحر دموعهن، فهن يرتدين الثياب السود العام كله، وقد تخلع شقيقته ثوبها الاسود بعد عام، ومثل ذلك تفعل ابنة خاله وخالته، لكن أمّه ستظل بثوبها، ملتصقة به ما أشرقت وغربت الشمس، لن يؤنسها شيء من ثراء الدنيا كلها، ستظل تبكيه كلما زفَّ الرجال ولداً في المدينة، كلما حملت الأكتاف جنازة. لا الربيع قادر على نسيانها حزنها ولا الشتاء، ها قد تحول قلبها مأتما لكل فجيعة في الارض.
في الأثر أن أبا الأسود الدؤلي وزوجته اختصما يوما بين يديّ الوالي في ولد لهما.. أيهما أحق به؟ فقال الزوج مخاطبا زوجته، "أنا أحقُّ به منك، فإنني قد حملتُه قبل أن تحمليه ووضعته قبل أن تضعيه، فقالت الزوجة: لئن كنتَ حملتَه قبل أن أحمله لقد حملتَه خفا، وحملته ثقلا، ولئن كنت وضعتَه قبل أن أضعه، لقد وضعته شهوة، ووضعتُه أنا كرها، وشتان بين الأمرين".
ومع أن الكتب المقدسة والاحاديث والسير تتحدث عن قيمة استثنائية للمرأة إلا أن الواقع مختلف تماما، ويوما إثر آخر، سنة إثر أخرى تتراجع القيم تلك، لتُحوِّلَ المرأة إلى تابع ذليل. قيمة منقوصة، فهم يشطبون اسمها من سجلات أيامهم، وإن ماتت فهي زوجة فلان، او ام فلان وشقيقة فلان. لا يرفعون في مجلس عزائها راية، ولا يتبختر (مهوال) متحدثا عن ماضيها وشرفها وعفتها وعظمتها في تربية أولادها، حتى وإن كانت قرينة فاطمة الزهراء في ذلك، او صنو زينب أو الخنساء. أو إحدى زوجات الرسول. لا ترفُّ بيارق المعزين قدام مأتمها. وإن سألت ما العزاء في بيت فلان؟ يجيبونك، غير مكترثين: بأنَّ (حرمة) توفيت لديهم. هكذا بكل ما في الكلام من معنى. ما في الضمائر من نكران وجحود.
يخطُّ (دعاة الاخلاق والمثل العليا، المدافعون عن قيم المجتمع، محاربو الفساد) من محدثي الوعي، الغارقين في الجهالة والجهل، يخطّون على واجهات مدارس البنات احاديث يزعمون انها لهذا النبي وذاك الشيخ وهي من بين فتاوى فلان الفقيه الجهبذ عبارات يحذّرون فيها بناتنا وشقيقاتنا من العِطر وأخذ الزينة، فالويل كل الويل لمن تعطرت وخرجت من دارها، فهي ملعونة حتى تعود. فنجد بناتنا، شقيقاتنا، بنات عمّا وخالنا وخالاتنا يمسكن كتبهن، مطاطئات الرؤوس، تسحق الواحدة ذيل تنورتها، خائفة مذعورة مما خُطَّ على سياج مدرستها. ولا تعترض إدارات المدارس على احد، فهي راضية، قابلة، قانعة، متوافقة مع كل ما من شانه تقييدهن والحط من كرامتهن. تموت زوجته فيتزوج بعد ثلاث ليال من رفع نعشها، وكان ابن مسعود يقول بعد وفاة زوجته بثلاثة أيام:(زوجوني، زوجوني .أخشى انْ ألاقي ربّي وانا عَزِبْ) ويموت هو (الرجل) فتعتزل امراته الرجال، لا بل ولا يطلبها احد، فهي أرملة فلان. لكنها تأتي قبره وترش ماء الورد عليه كل جمعة، ولا يأتي قبرها إلا نادراً، تحتفظ في خزانتها بثيابه وزجاجات عطره ساعات قهره ويتصدق بثيابها على الشحاذين وعابري السبيل. تندبه إن سقطت منها حاجة ويحقّر أبناءه بأمهم، لا يسمّيها باسمها، ولا يذكر محمدة لها، لأنه استبدلها بأخرى، فهو المطلق في ما يملك من نسائه وإمائه .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

قناطر: الحبُّ يقترحُ سماءً أكثرَ زرقةً اليــــوم

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: يوم المليون

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

 علي حسين حضرت في السنوات الماضية غير مرة إلى معارض الكتب التي تقام في العديد من البلدان العربية . وفي كل مرة كنت اعثر على كتب تعيد لي الأمل بدور الكلمة واهمية الكتاب...
علي حسين

قناطر: الكتاب في خطر.. ما العمل ؟

طالب عبد العزيز أشهدُ أنَّ معرض القاهرة للكتاب الذي لم أحضر دورته السنة هذه لأسباب صحيّة؛ بأنَّه تظاهرة ثقافية كبيرة، أقول هذه بناءً على ما شاهدته في دورات سابقة، فالاحصائيات الرسمية تشير الى ملايين...
طالب عبد العزيز

كيف تنظر النخب السياسية العراقية إلى المسألة السورية؟

سعد سلوم (1-2) تتشكل «المسألة السورية» في منظور النخب السياسية العراقية كجزء من جغرافيا قلقة، حولت الحدود إلى عقد تاريخية متشابكة. فبينما يواجه العراق هواجس المياه مع تركيا، وعقدة الإفتقار الى نافذة بحرية مع...
سعد سلّوم

متلازمة نضوب المدد الدستورية

هادي عزيز علي كثيرة هي الأسئلة التي لا جواب لها في نصوص دستور 2000 ومنها المدد الدستورية الناظمة للمراكز القانونية المتعلقة بالأشخاص المعنوية والافراد الامر الذي افضى الى كثرة التأويلات والاجتهادات والتعليقات ومنها على...
هادي عزيز علي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram