TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > لحية العودة غير المؤكدة

لحية العودة غير المؤكدة

نشر في: 22 مايو, 2015: 09:01 م

منذ أن رأيت عمله الضخم والكبير (حديقة الميناء) الذي أنجزه سنة 1974 وهو يتمدد على مساحة واسعة من حديقة متحف كرولر مولر وسط هولندا وأنا أتساءل عن ماهية ومغزى أعماله والفلسفة التي تقف وراءها ، هكذا تصيبني أعمال الفنان الفرنسي جان دوبوفيه ( 1901- 1985 ) بالصدمة والحيرة معاً ، هو الذي يصنع شخصياته بعجائن يخلطها باللون لتظهر بهذه الخشونة وهذا الانطباع بالفزع والألم والخوف لكنها أيضاً مغلفة بجمال أخاذ لايقاوم ، هي تشبه الى حد بعيد مرآة ننظر من خلالها الى تماثيل فنان عظيم آخر هو جياكوميتي الذي يشترك معه بهذه الخشونة وعدم الاهتمام باللمسات النهائية للأعمال.
في كل الأحوال علينا دائماً أن نصبر قليلاً ونحن ننظر الى أعمال دوبوفيه ونتجلد إزاء انطباعنا الأول ، لأن أعماله تبدو لأول وهلة مثل رغيف خبز غير ناضج ، لكننا حين نتذوقه نرى كم هو لذيذ وممتع وطيب.
بيت أبيض ينتصب وسط عشب الحديقة ، أراه غير منتظم الأضلاع بسقف متموج لا يسمح للسير فوقه بسهولة ، هذا ما فكرت به أول الأمر ، وبعد أن صعدت الى السطح ومرَّرت خطواتي بين وحداته وتعرجاته الغريبة أحسست بالفعل أني أقف وأتمشى وسط عمل فني يكاد يبتلعني وأصبح جزءا منه ، أنصهر كما انصهر مجموعة من الشباب الذين أراهم يتقافزون هناك على السطح . كيف لنا أن نعرف ما أراده هذا الفنان من صناعة بناء بهذا الشكل دون أن نختبره بأنفسنا نحن عابري السبيل في هذا المتحف ؟ فلا الصور كافية ولا ماتقوله لنا الكتب يكفي لتطمين حاسة البحث عن هذا النوع من الفنون . لقد صنع دوبوفيه هذا البناء بنفس الطريقة والمواد والتقنية التي يصنع بها أعماله النحتية المشهورة بلونها الأبيض وخطوطها السود التي تغلف الزوايا والحافات ، هو ينظر الى البيت إذن كما ينظر الى منحوتة وفي نفس الوقت يتعامل مع المنحوتة كما يتعامل مع اللوحة ، تتداخل الأشكال عنده وتبقى وحدة التعبير هي القائمة والمؤثرة ، يخلط مجموعة من المواد لينتج عملاً فنياً وكأنه يستعيد هنا سنواته الطوال التي قضاها مع والده صانع النبيذ في ريف فرنسا وهو يحوّل أنواعا كثيرة من العنب الى أصناف مختلفة من النبيذ المعتق .
ترك دوبوفيه عائلته الثرية واتجه الى باريس وهو بعمر السابعة عشرة وبدأ بدراسة الرسم في أكاديمية جولاين ، لكنه لم يبق فيها طويلاً حيث توقف عن الدراسة وعاد الى مزرعة العائلة ليمضي أكثر من عشرين سنة أخرى وسط كروم العنب قبل أن يقرر في النهاية أن يصبح فناناً.
أعظم تحوّل في حياة هذا الفنان حين أطلع على كتاب فيه رسوم للمجانين والمصابين بالأمراض العقلية واكتشافه لتلك الطاقة والغرابة الكبيرة التي تحملها ، كذلك كان تأثير رسوم الأطفال كبيراً على أعماله هو الذي رأي فيها تلك البراءة والعفوية وعدم الانتباه للتفاصيل ، وقد نجح نجاحاً لافتاً وأصيلاً وهو يمزج هذين العالمين ليخرج بخلطة نادرة تمثل شخصيته الفنية وتتوج بحثه الدائم عن طابعه الخاص وطريقه الذي لا يشبه طرق الآخرين .
من الاشياء التي تدهشني في لوحات دوبوفيه إضافة الى تقنيتها طبعاً هي اختياره لعناوين غاية في الغرابة والغموض ، مثل لوحته الشهيرة ( لحية العودة غير المؤكدة) والتي لا تظهر فيها أية لحية ولا عودة وهي تذكرني بمسرحية يوجين يونسكو (المغنية الصلعاء) حيث لا مغنية ولا صلعاء ، وهذا هو قمة العبث واللامعقول.
انطباعي الدائم عن أعمال دوبوفيه هو أنه وضع رسوم المجانين في قبعته وأخرجها لنا بعد فترة وهي مليئة بالحكمة والجمال .

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram