TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > حين يتحول صياد سمك الى رسام مشهور

حين يتحول صياد سمك الى رسام مشهور

نشر في: 5 يونيو, 2015: 09:01 م

هكذا هو حال رسامين كثيرين في تاريخ الفن ، من الفاقة والبساطة والفقر الى واجهة الإعلام والاهتمام الجماهيري الواسع . طالما شغلني هذا الموضوع وفكرت به كثيراً ، وها هي فرصة جيدة أن أكتب عن فنان من هذا النوع ، فنان تمتعت برؤية أعماله في متحفه الشخصي ، أنه الفنان يوبي هاوسمان ( 1922- 2000 ) ، هذا الرسام الشهير الذي تحتل أعماله بناية المتحف الذي يحمل اسمه بمدينة فوركم في هولندا .
هكذا وبكل بساطة تحول صياد السمك البسيط الى رسام مشهور ، يوبي المنشغل برسم أشيائه القديمة التي تقبع في كوخ خلف بيته الذي تحول الى مزرعة ومكان لتحضير السمك المدخن الذي يصطاده بنفسه . أتجول قليلاً في الخارج وأتوقف لتطل عليّ اللوحة التي وضعها المتحف على الواجهة لتكون أعلاناً ودعاية له ، وهي بورتريت رسمه يوبي لنفسه وهو منشغل بلف سيجارة من كيس التبغ الذي يحمله معه دائماً . أنظر الى المتحف بهيئته الخشبية التي تشبه شجرة كستناء كبيرة بأغصان قوية مثمرة لأقرر الدخول ورؤية هذه الاسطورة الشعبية . وهناك في الداخل تتلاقفني التفاصيل وكأنني أعيش وسط قرية هولندية في سنوات بعيدة مضت ، حيث تظهر أحذية الفلاحين الخشبية الضخمة التي يسميها الهولنديون ( كلومب ) وقد رسمها في لوحات كثيرة ، أطل برأسي الى قاعة أخرى من المتحف لتظهر اللوحات التي رسمها لأفراد عائلته وبجانبها أرى بوضوح قمصانه الحمراء المتهرئة التي رسمها في مجموعة كبيرة من اللوحات وهي معلقة على الحبال وتحيط بها ظلمة الكوخ ، وقد أصبحت هذه اللوحات شهيرة جداً لأنها طبعت بأعداد لا تحصى كبوسترات تباع بأسعار رخيصة يعلقها الفلاحون في بيوتهم وهم يحتفون برسامهم المحبوب .
المتحف مقسم الى أقسام عديدة تضم أعماله الزيتية بكل مراحلها وتخطيطاته للشخصيات التي يعرفها ومنهم بالتأكيد أبوه العجوز وأمه وحتى أبناؤه وبناته ، وفي الجانب الآخر مقتنياته الشخصية التي تحتوي على اشياء قديمة جداً ، فقد كان هاوسمان مولعاً بالأشياء القديمة و يعمل على أقتنائها ويتاجر بها ، وهو كان يعمد الى رسمها قبل بيعها ، ثم ينتظر حصوله على أشياء جديدة كي يرسمها هي الأخرى ليبيعها من جديد ، وهكذا كان دائماً ما يحصل على مواضيع جديدة للرسم ، لهذا السبب نراه يصور في لوحاته الأنتيكات مثل الدمى القديمة والأدوات التي يستعملها الفلاحون والصيادون وحتى ملابسهم القديمة الممزقة وقبعاتهم التي تغير لونها منذ زمن بعيد . أنه ببساطة يعشق الاشياء الصغيرة والقديمة التي تظهر عليها بصمات الزمن ، لهذا نراه لا ينفك عن رسمها ، فهنا لوحة لسراويل مستعملة وهناك أعمال تظهر فيها براميل معدنية تستعمل لحفظ الحليب وبجانبها كراسي من طراز قديم ، وهو حين يقرر أن يرسم موضوعاً جديداً فهو لا يذهب بعيداً عن الكوخ ولا يحتاج سوى الى أن يلتفت ليلتقط مشهد السمك المدخن المعلق على حبال وكأن رائحة السمك هي التي تدعوه لتخليد هذا الالتقاطة .
أغرب ما في حكاية يوبي أنه لم يدرس الرسم في أي مكان وقد تعلم كل ذلك وطور موهبته في هذا الكوخ الذي كان يعود لوالديه ، هذا الكوخ الذي يتحدث عنه بعشق وبعاطفة كبيرة وهو يتذكر حين قبض عليه الألمان أثناء الحرب العالمية الثانية واقتتادوه معهم الى معسكراتهم لكنه استطاع أن يهرب منهم ، وبعد معاناة وصل الى قريته واختبأ في نفس الكوخ بضع سنوات ليكون بعيداً عن الأنظار حتى انتهت الحرب ، اختبأ هناك وبدأ يطور موهبته ويرسم كل ما موجود حوله ولم يستثن من ذلك حتى السندويشات التي تجلبها له أمه . بعد ذلك بسنوات حين تطورت موهبته وبدأ أهل القرية يحبون أعماله أخذ يقايض لوحاته معهم حيث كان يستبدل كل لوحة بسمكتي بالينغ وهو مليء بالسعادة . والآن يتسابق الناس لرؤية أعماله وعالمه الجميل والبريء والمميز والأهم من ذلك موهبته الفذة التي وضعته في مصاف الرسامين العباقرة.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

ملحق ذاكرة عراقية

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

العمود الثامن: مئوية الوطنيةً

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: محنة صاحبة الجلالة

 علي حسين كرّس فائق بطي حياته من أجل غنى الصحافة التي تعمّق فيها، فقد كان في إمكانه أن يحوّل مجموعة من تفاصيل هذه المهنة إلى حكاية يتداولها الصحفيون. وكان يلتقط من أروقة الجرائد،...
علي حسين

باليت المدى: الحياة جميلة… لكن!

 ستار كاووش تخيل أنك تغط في نوم عميق بعد منتصف الليل، وفجأة يرن صوت التلفون الذي يظل يتكرر حتى تصحو فزعاً. وهناك في الجانب الآخر يبدو المتصل غير مبالياً بفروقات التوقيت ولا بالإزعاج...
ستار كاووش

8 شُبَاط 1963: الانْقلاب اَلذِي مَا زال يُحدِّد مصير العرَاق اليوْم

عصام الياسري شكّل انقلاب 8 شباط 1963 محطة مفصلية في التاريخ السياسي العراقي الحديث، إذ جاء بعد أقل من خمس سنوات على قيام ثورة 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي وإعلان قيام الجمهورية...
عصام الياسري

الدبلوماسية في ظل البعث: إستبداد الداخل وضغوط الخارج

حسن الجنابي (3من 4) مع دخول العراق مرحلة الحروب المتتالية، بدءاً بحرب إيران (1980-1988) ومروراً بغزو الكويت (1990) والحصار الدولي، تحولت الدبلوماسية العراقية إلى ميدان آخر للصراع. فقد أصبح السفراء والدبلوماسيون مطالبين ليس فقط...
حسن الجنابي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram