في العالم العربيّ الحديث ثمة موقفان من الفن التشكيليّ، وفن النحت خاصة. موقف الإسلام التنويريّ الذي يمثله الإمام محمد عبده (1849 - 1905م) وموقف الإسلام السلفيّ الذي يمثله الشيخ محمد بن عبدالوهاب (1703- 1791م).
مما كتبه محمد عبده عند زيارته لمتاحف صقلية وأوروبا صيف 1902 نصٌّ ما زال مجهولاً حتى من لدن المتخصصين أحياناً، ويجيء في بعضه:
"قال الإمام: لهؤلاء القوم حرص غريب على حفظ الصور المرسومة على الورق والنسيج، ويوجد في دار الآثار عند الأمم الكبرى ما لا يوجد عند الأمم الصغرى، كالصقليين مثلا، يحققون تاريخ رسمها واليد التي رسمتها، ولهم تنافس في اقتناء ذلك غريب، حتى أن القطعة الواحدة من رسم روائيل [ أظنه يقصد روفائيل] مثلا ربما تساوي مئات من الآلاف في بعض المتاحف، ولا يهمك معرفة القيمة بالتحقيق، وإنما المهمّ هو التنافس في اقتناء الأمم لهذه النقوش، وعدّ ما أتقن منها من أفضل ما ترك المتقدم للمتأخر؛ وكذلك الحال في التماثيل، وكلما قدم المتروك من ذلك كان أعلى قيمة، وكان القوم عليه أشد حرصاً، هل تدري لماذا؟ [...] السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى، إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشؤون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية...."
ثم يضيف: "الذي يغلب على ظني أنه سيقول لك إن الحديث جاء في أيام الوثنية وكانت الصور تتخذ في ذلك العهد لسببين: الأول: اللهو، والثاني: التبرك بمثال من ترسم صورته من الصالحين، والأول مما يبغضه الدِّين، والثاني مما جاء الإسلام لمحوه، والمصور في الحالين شاغل عن الله أو ممهد للإشراك به، فإذا زال هذان العارضان وقصدت الفائدة كان تصوير الأشخاص بمنزلة تصوير النبات والشجر في المصنوعات، وقد صنع ذلك في حواشي المصاحف وأوائل السور ولم يمنعه أحد من العلماء. مع أن الفائدة في نقش المصاحف موضع النزاع، وأما فائدة الصور فيها لا نزاع فيه على الوجه الذي ذُكر".
ظلّ هذا الموقف التنويريّ المتطوّر قائماً منذ عصر النهضة العربية، حتى سيادة السلفيات المتشدّدة في العشرين سنة الأخيرة. وكانت السلفيات تستمدّ مواقفها في الحقيقة من آراء الشيخ محمد بن عبدالوهاب، من بين آخرين. في كتاب الشيخ عبدالوهاب المعنون (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد) "باب ما جاء في المصوّرين" لا يقع فقط تحريم التصوير دون استثناء أو تظليل، والأمر "بطمسها إذا وُجدتْ"، إنما قارَب القبور نفسها بالأوثان والأصنام، وذلك في (باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله).
وبعيداً عن فتاواه، لكن انطلاقاً منها وبغياب علم الجماليات، وقعتْ تسويتها بالأرض. من تلامذته كالشيخ العثيمين من يذهب إلى تحريم التصوير الفوتوغرافي نفسه، فيقول في مجموع فتاويه: "لا يجوز اقتناء الصور للذكرى أو غيرها إلا ما دعت الضرورة أو الحاجة إليه مثل التابعية والرخصة" فقط.
كان من نتائج فتوى الأمام عبده، ازدهار الفن ومدارسه في مصر ثم العالم العربيّ برمته، ومن نتائج فتوى الإمام عبدالوهاب، اختفاء الآثار والأبنية التاريخية وتسوية الأضرحة الرمزية والروحية منذ القرن التاسع عشر، وفيما بعد تحطيم تمثال بوذا في أفغانستان في الثاني من آذار- مارس 2001، ومن فتاواه نفسها أيضا حطّم داعش بين العامين 2014- 2015 بعض آثار العراق الثمينة، وما زال يُحطّم.
موقفان من النحت المعاصر: محمد عبده ومحمد بن عبدالوهاب
نشر في: 3 مارس, 2017: 09:01 م