لا يسع المرء الذي يقرأ دورياً أن الثقافة العربية الراهنة بلا أصوات كبيرة، مهمّة ومؤثرة، في كلّ حقل، أن يستفسر عن مصدر هذا الحكم الإطلاقيّ، وإمكانية تصويبه. قرأنا يوم السبت الماضي ملاحظتين بهذا الاتجاه بشأن الثقافة العراقية (واحدة منهما في صحيفة المدى والثانية في جريدة الصباح). لا بأس من التذكير بالملاحظة المنشورة في المدى دون الرغبة بمصادرة الحق المطلق في التعبير عن الرأي، ولكن من باب التصديق على أن الفكرة مكرّرة كأنها بداهة، فهي تذكر حرفياً: "انعدام التألّق الإبداعي في الإنتاج الثقافي تقريباً، فلا من جواهري جديد، أو نازك الملائكة، أو بياتيّ، أو جواد سليم، أو فرمان، أو علي جواد طاهر، ربّما لأنّ الوضع الذي نتحدّث عنه الآن لا يفرز قامات عالية في أيّ مجال". يمكننا قراءة أفكار مماثلة عن الثقافة العربية بعمومها.
هذه الفكرة لا تتسق مع منطق التاريخ، ولا تنسجم مع المنجز الفعليّ الراهن، بينما الأمثلة التي تقدّم لنا، في العراق وسواه من الأقطار، فمن الصحيح أنها خيارات محترمة، لكن يمكن الخلاف بشأن الطبيعة الإبداعية المحض لمنجز بعضها، وهو منجز كان محكوماً بشروط انبثاقها، مثل كلّ منجز إبداعيّ آخر. لا يَسْمح المنطقُ البسيط للمرء بالاعتقاد أن فاعلية الكائن الإنسانيّ قد تتوقف وأن النشاط التخيلي والاستعاري، وإن فاعلية الألم مقصورة على حقبة أو جيل أو عصر، خاصة من حقب وعصور وأجيال الماضي وحده. مثل هذه الفكرة تُمجّد، بشكل خفيّ، الماضي وحده. يعرف الجميع أن تمجيد الماضي واعتباره قد جاء بما لن يقدر عليه الحاضر، هي فكرة مستعادة طيلة قرون، حتى يصير الحاضر ماضياً، فيجيء من يُمجّد من جديد ماضياً كان ذات يوم حاضراً منظوراً إليه بريبة.
موضوعياً، حاضرُنا يشتغل بظروف عامة، تعليمية واقتصادية، بشكل خاص، تتفوّق نسبياً على الظروف التعليمية والاقتصادية التي اشتغل فيها مبدعو الأجيال السابقة. المشكلة تتعلق بـ (وضع) لا يمكن ابتكاره اليوم كما بالأمس. يمكن نقده بالطبع لكن لا يمكن تطبيق مفاهيم عمومية عليه. لا قامات كبيرة اليوم، يُوجِب عقلاً أن يكون كُتّاب الملاحظات المذكورة من هذه الأصوات غير المهمّة أيضاً، أو يُوجب الاعتراف أن بعضنا ليس على دراية كافية بالنتاج الثقافيّ العربيّ العميق. عندما نتحدّث في نقد ظواهر الثقافة العربية، وكوارث مثقفيها (ونحن من بين المتحدّثين) فإننا نقصد الظواهر الطاغية، ونعرف أين نجد الاستثناءات الكبيرة العميقة المؤثرة. اليوم، هناك روائيون جوهريون، هناك رسّامون مهمّون انفتحوا على تجارب لم ينفتح عليها موضوعياً جيل جواد سليم، هناك مترجمون عراقيون وأنثروبولوجيون عراقيون وسوسيولوجيون عراقيون وعرب من قامات لا تقلّ شأناً عن الوردي والطاهر. الفارق بين جيل الوردي مثلا والأجيال التالية أن الأول كان وحده تقريباً في البلد بينما كثر اللاعبون البارعون اليوم وتفرّعوا في (وضع) مختلف. إننا نخشى أشدّ ما نخشى، ونتمنى أن نكون مخطئين، أن نقاد ثقافة (الحاضر العقيم) لم يطّلعوا عمّا نتحدث عنه، وفي أسوأ الأحوال وجود مانع نفسيّ يمنع من الاعتراف بفضل من يستحق الاعتراف به، وهم قلة دوماً كما كان المُمْتدَحون قلة. (المانع النفسيّ)، و(التأويل المفرط) - مثلما يمكن أن تُؤوّل هذه الكلمة - قويّان في ثقافتنا كما نعرف عبر التجربة.
كلما قرأنا أن الثقافة العربية المعاصرة دون أصوات كبيرة ومهمة في كلّ حقل، وضعنا أيدينا على قلوبنا ونتاجنا، وقبل ذلك عرفنا أن البقاء ضمن المعارف الراسخة، والقناعات الثابتة، ينطوي على عدم الإيمان بإمكانيات الحياة.
هل ثقافتنا عاقر؟
نشر في: 14 أغسطس, 2017: 09:01 م