TOP

جريدة المدى > عام > وجوه الحب الثلاثون..الحبّ.. حياةٌ وموتٌ من أجل بلوغ المستحيل

وجوه الحب الثلاثون..الحبّ.. حياةٌ وموتٌ من أجل بلوغ المستحيل

نشر في: 8 أكتوبر, 2017: 12:01 ص

|    24    |
" كل شيء مقبض هنا. أو هكذا يبدو لي ، ذهب كل شيء ، كل يوم اتمشى أجد مقعدنا خالياً فأمر عبره ولا أجلس عليه. تذكرين النافذة المقوّسة الكبيرة الى يمين الشرفة، كم كانت ركناً جميلاً، الزهور والنباتات ذات العطر ال

|    24    |

" كل شيء مقبض هنا. أو هكذا يبدو لي ، ذهب كل شيء ، كل يوم اتمشى أجد مقعدنا خالياً فأمر عبره ولا أجلس عليه. تذكرين النافذة المقوّسة الكبيرة الى يمين الشرفة، كم كانت ركناً جميلاً، الزهور والنباتات ذات العطر الساحر، هنا لاتزال. ولكن هي فارغة، وحيدة، مهجورة " .  كان صاحب هذه الرسالة الغرامية في الواحد والستين من عمره، يعتبر أشهر رجل في اسكندنافيا، فهو الى جانب تولستوي يعد أعظم كاتب حي في العالم، وكان الصحافيون يقطعون آلاف الأميال لإجراء حوارات معه في شقته الكئيبة، كما كان ظهوره اليومي في مقهى المدينة فرحة للسكان، حيث  يجلس وحيداً يقرأ الجريدة أو يشرب قهوته المعتادة،

وعندما كان يدخل الى المقهى كان جميع الجالسين في القاعة يقفون ويرفعون قبعاتهم، ولم يكن أحد يجرؤ على الجلوس قبل ذلك الرجل العظيم، ويصف جورج برنادشو الذي كان مغرماً بإبسن ويفضّله على شكسبير مشهد حضور إبسن في الأماكن العامة بقوله: "كان مبجلاً، يرتدي معطفاً أسود وأشرطة الاوسمة وقميصاً لامعاً من الكتان، ربطة عنق انيقة، قبعة سوداء من الحرير اللامع، نظارة ذهبية .. فم مزموم مثل نصل سكين. كأنك تقف امام جبل مصمت".

*********
  موظف يحترم الدقة
ظل هنريك إبسن يمارس حياة منتظمة تماماً مثل حياة أحد الموظفين الذين يتميزون بالدقة واحترام الوقت والمواعيد، فكان يخصص خمس أو ست ساعات للكتابة، يمضيها في مكتبه، بعدها يقوم بنزهة، حيث نجده  يتخذ كل يوم مكانه المعتاد في احد المقاهي. يقرأ الصحف بتمهل، وكان يقدم نتاجه المسرحي بانتظام يثير الاستغراب أحياناً، عملاً مسرحياً كل عامين، ويصر على أن تنشر مؤلفاته الجديدة بعد عيد رأس السنة الجديدة مباشرة، ولم يكن يشاهد بروفات مسرحيات، ويرفض حضور العرض الأول، لم يكن من محبي الحفلات الاجتماعية. والمقربون منه يعتقدون أنه يختفي وراء قناع صارم ، كما إنه لم يكن له صديق مقرب يأتمنه على اسراره الخاصة، يكره السياسة ويرفض الانتماء الى الأحزاب السياسية : "انني كافر بالسياسة ، فأنا لا أؤمن بقدرتها على التحرير، وأشك فيمن يمارسون السلطة ولا أعتقد في نزاهتهم أو في إرادتهم". كان إبسن ذا قدرة فائقة على التخيل. ولكنه كان منطوياً. كما كان يتميز بالخجل في علاقاته النسائية، ومع  كل هذه الشهرة العالمية والأوسمة والنياشين التي حصل عليها، فإنه ظل يعاني من الفراغ، يبدو احياناً وكأنه يبحث عن شيء ، وكان يقول عن نفسه: " أحمل ثقلاً من الغيظ الذي لايهدأ، ومثل روسو حملت الكدمات نفسها طوال حياتي  "  يتعرّف في صيف عام 1888 على فتاة اسمها اميلي  تبلغ من العمر عشرين عاماً،  عندما كان يقوم بنزه  مع زوجته في قرية على الحدود الالمانية انذاك  شاهد فتاة جميلة خضراء العينين ذات شعر اشقر طويل تحمل سلّة من الزهور اقتربت منهم وناولت  كلاً منهم وردة ، احتفظ بالوردة  في أحد كتبه، وقرر أن يهدي لهذه الفتاة احدى مسرحياته ويكتب في الإهداء: "قدر سامق ومؤلم يجعلنا نمد الذراع جاهدين لنطول ما لايطال . وأرفق الإهداء بعبارة : الى الشمس التي أشرقت في طريق حياتي". بعدها تتوالى الرسائل ويكتب في يومياته: "أميلي أعادت لي الأمل بحياة جديدة" ، وبعد اسابيع يرسل لها رسالة جدية يكتب فيها: "أكان لقاؤنا غباءً أم جنوناً؟ أم تراه كان غباءً وجنوناً معاً؟ أرى إنه شيء لا هو بالجنون ولا بالغباء إنه القدر".
ويطلب من أميلي أن ترسل له صورتها وحين تتأخر بالرد يكتب لها: "افضل هذا من أن تصلني صورة غير مميزة، ومع ذلك فما اوضح ملامحك الراسخة الجميلة في مخيلتي، ما زلت أرى اميرة تخفي كثيراً من الأسرار وراء تلك الملامح، هذه الأسرار ، ما هي ؟ يحلم المرء بأشياء كثيرة ويخلق من أحلامه جمالاً كبيراً، وهذا ما أفعل، إنه عوض صغير عن الحقيقة، الحقيقة بلا قرار، الحقيقة التي لا تطال " ، بعدها يكتب في يومياته: "تعرفت على طيف جميل من أطياف الصيف، جزء من موسم الفراشات  والزهور البرية.. أميرة أعادت إليّ بعضاً من اسرار الحب، وكنت قد تصورت إنني على خصام معه .. وإننا اصبحنا غريبين".
ثم يقرر أن  يهدي لها نسخة من مسرحيته براند، ويكتب في الإهداء: "الى صغيرتي، عسى أن تعبّر حياتك كالقصيدة الكاملة عن الوفاق التام بين السعادة والواجب".
وتصل له  أخيراً صورة فوتغرافية من اميلي فيكتب لها: "صورتك الجميلة ، الساحرة بما تحمل من شبه غريب لك، منحتني فرحة لا توصف، شكراً لك .. ألف شكر من اعماق الفؤاد في عز الشتاء، أعدت لخيالي ذكرى تلك الأيام القليلة الساطعة من أيام صيف انقضى".
وحين بلغه مرضها يكتب لها في السادس عشر من كانون الثاني عام 1890 رسالة يقول فيها: "هل تصدقين انني حدست أمر مرضك بوضوح! في خيالي رأيتك راقدة في الفراش، شاحبة ومحمومة لكنك تملكين جمالاً لا يقاوم".

******
مساعد الصيدلي الذي تحول الى اشهر شخصية
هنريك إبسن المولود في شهر آذار من عام 1828 ، كان الابن الأكبر بين خمسة اطفال لأب يعمل في التجارة وأم من عائلة اكثر رجالها يعملون في البحر، وعندما بلغ السادسة من عمره أفلس والده واصبح مشاكساً وعنيداً وصعب المزاج، وأمه التي كان يضرب المثل بجمالها ذات يوم، وكانت تطمح أن تصبح ممثلة، اكتأبت بسبب تصرفات زوجها وراحت  تختفي في غرفتها لتلعب بدمى الأطفال، كانت الأسرة غارقة في الديون  وتعيش على أكل البطاطس والخبز، وعندما بلغ إبسن السابعة عشرة من عمره، أرسله والده  ليعمل مساعداً لأحد الصيادلة، وهنا أيضاً رافقه الحظ السيئ،  فقد افلس الصيدلي وأغلق دكانه ، ولعل حياة إبسن اشبه بالملحمة عن العصامية والاعتماد على النفس، ففي سنة 1850 دخل الجامعة،  وبدأت محاولاته الأولى للكتابة، إلا أنها جميعاً كانت محاولات فاشلة، فمسرحيته الأولى "نورما" لم تجد مسرحاً تعرض عليه، وفشلت أولى أعماله التي قدمت على المسرح وكانت مأساة شعرية بعنوان "كاترين"، ولم يكن حظه أفضل مع ثاني أعماله المسرحية ، ومسرحيته الثالثة فشلت فشلاً ذريعاً، واضطر أن يقدم مسرحيته الرابعة "السيدة انجاز" باسم كاتب آخر،  ابتسم له الحظ عام 1866 حين قدمت اولى اعماله الكبيرة "براند" ، حيث ظهرت المسرحية في الوقت نفسه الذي نشر فيه كارل ماركس الجزء الأول من رأس المال.. كانت مسرحية براند هجوماً على المادية التقليدية ، ودعوة الى اتباع الضمير الفردي في مواجهة نظم المجتمع،  وربما يكون ذلك هو الموضوع الرئيس لكل أعماله، وقد أثارت "براند" عند نشرها جدلاً كبيراً  وبدأ النظر الى إبسن كقائد للتمرد على المعتقدات التقليدية، ليس في بلاده النرويج فقط وإنما في معظم بلدان أوربا . وربما كانت حياة إبسن مثل حياة ابطال مسرحياته، حيث نجده وهو في الثامنة عشرة من عمره ويعيش فوق محل الصيدلي الذي يعمل عنده، يعيش قصة حب عاصفة مع امرأة تعمل بائعة في أحد المحال، كانت تكبره بعشر سنوات، ويخبرنا كاتب سيرته أن هذه العلاقة تطورت فأنجبت المرأة "صوفي جنسداثر" ولداً وحصلت بعد ذلك على حكم من المجلس المحلي بأن يدفع لها إبسن نفقة حتى يبلغ ابنه "جاكوب" الرابعة عشرة"، ويكتب إبسن عن تجربته تلك في يومياته: "كنت شاباً أؤمن بما قاله افلاطون ذات يوم من أن الجمال متعة أبدية، إن الحب يمنح للوجود طعماً، إذن فعلى المرء أن يتمتع اكثر واكثر بالحب. أي أن نحب ونعيش في التو واللحظة، ثم كتب بعد ذلك بسنوات: "بالنسبة إلي مازلت ابحث عن الحب، وانتهز ما اصادفه من جميلات  لأعيش قصة عشق حقيقية".
حين شارف إبسن على "عتبات الكهولة" تنازعته قصص حب، كانت حكاية اميلي قد انتشرت برغم كتمانه، فقرر أن يوقف رسائله لها،  وتسجل اميلي في مفكرتها: "غيرته تجعلني أشعر بالفخر، كل كلامه معي مملوء بالأحاسيس والمشاعر القوية، اخبرني أنه يشعر في حياته أبداً بمتعة كتلك التي يشعر بها معي، لم يعجب بأحد قدر اعجابه بي" إلا أن إبسن يخبر كاتب سيرته إنه : " كان يشعر أن من الأفضل أن نبدو وكأننا غرباء". وتخبر اميلي احدى صديقاتها إن الكاتب الكبير عرض عليها امكانية طلاقه من زوجته، واستعداده للزواج منها .
ولأن عاش صراعاً بين حبّه لاميلي والتزامه الأخلاقي امام عائلته، نجده يكتب في احدى رسائله: "من حق ضميري عليّ أن أقطع مراسلاتي لك، أو في القليل الحدّ منها، عليك في الوقت الحاضر أن تخفضي اهتمامك بي الى أدنى الدرجات. أمامك اشياء أخرى تشغلين بها وقتك، وأنت بعد شابة"  وترسله رساله عتاب تقول فيها: "لماذا تريد أن تهرب بعيداً، بعد أن جعلتني اتعلق بأذيالك"، فيرسل لها رسالة رجاء: "أرجوك في الوقت الحاضر  لا تواصلي الكتابة، حين تتغير الظروف، سأخبرك، أرسل لك قريباً مسرحيتي الجديدة، أقبليها في عطف وصمت".
وتمضي السنوات على هذا الغرام، الذي اكتفى فيه إبسن بالرسائل ولقاءات بين الحين والآخر، فيما تؤكد اميلي إنهما عاشا حباً افلاطونياً حتى انهما لم يتبادلا القبلات .
ويضع أ[ٍن  تعريفاً لهذا الحب على لسان جينا اكدال، بطلة مسرحيته الشهيرة البطة البرية: "الحب هو حب الجمال،  ولا يمكن قصره على الحب الجسدي". وبمرور الزمن تفقد رسائله لأميلي توهجها، ونراه يشعر من جديد بالحرمان العاطفي، وفجاة ترسل له رسالة شوق بمناسبة عيد ميلاده السبعين، فيعود لسابق عهده بالحب وانشغاله فيه  فيكتب لها: "ياعذب الكل، يا آنستي الحبيبة الغالية، اقبلي اعمق الشكر على رسالتك  ، ذلك الصيف الذي شاهدتك فيه لأول مرة، كان أسعد ما في حياتي".
بعد ذلك بعام يقدم مسرحيته الشهيرة "حين نبعث نحن الموتى" –  صدرت بالعربية في سلسلة المسرح العالمي بترجمة محمد سامي احمد" - ويكتب في الإهداء: " الى تلك الفتاة التي أعادت لي أسعد وأجمل ما في حياتي " وكان يقصد أميلي، وفي المسرحية نحن امام نحات "روبك" يصنع تمثالاً رائعاً لامرأة فائقة الجمال اسماه "يوم البعث" وعندما ينتهي منه ينفض يديه بقسوة وأنانية من المرأة التي وقفت أمامه عارية، كنموذج وعرضت أمامه كل أسرار جسدها وروحها أيضاً، واقامت معه نوعاً من الحب الروحي، فقد كان التمثال ثمرة فنّه وجمال الموديل، لكن النحات الأناني أدار ظهره لكل هذا ومضى يحاول أن يستمد الإلهام من موديل جديد، وتمضي السنوات الطويلة بين الفنان وموديله، ثم يلتقيا آخر الأمر، فيكتشف الفنان فجأة أنّه كان ميتاً طوال السنوات الماضية، وإنه قد بعث من جديد.
روبك : لاشك أن حبنا لم يمت يا أيرين
أيرين: إن الحب يتصل بالحياة الأرضية الغامضة، هذا الحب قد مات في قلبينا
روبك: "بانفعال" ولكن أتعرفين إن هذا الحب بالذات، مازال يحرق ويغلي في احشائي كما لم يكن يغلي من قبل
أيرين : وانا نسيت من اكون
روبك: كوني من تكونين أو ما تكونين، فلن اهتم بذلك، فلست عندي إلا تلك المرأة  التي أراها عندما أحلم بك
أيرين: وقد وقفت على منصة النماذج بعدك، واظهرت نفسي لمئات الرجال من بعدك
روبك: مازالت امامنا فسحة من العمر لنحيا حياتنا يا أيرين
ايرين: لقد ماتت فيّ الرغبة، فها وقد بعثت وبحثت عنك حتى وجدتك، وإذا ذاك رأيت إنك أنت والحياة كلاكما ميتان .
روبك: لكن هذه هي الحياة فينا ومن حولنا تختلج وتضطرب كما لو لم تكن من قبل !
أيرين: المرأة الشابة في تمثالك "يوم البعث" تستطيع أن ترى الحياة كلها ترقد على قاعدتها .
ويختتم إبسن مسرحيته حين يصرخ روبك: ذلك الصيف كان أسعد وأجمل ما في حياتي، مرة أخرى من يدري هل سأعيش صيفاً جديداً .
********
قصص حب في آخر العمر
لم تكن أميلي الفتاة الوحيدة التي أحبها إبسن، ففي مراسلاته نجد هيلين، ولورا كلير وثالثة اسمها روز، ، أما هيلين فكانت فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها من مدينة ميونخ، على درجة كبيرة من الثقافة وتعشق المسرح، وسمحت له أن يقبلها، وعندما سألته ماذا يرى فيها، أجاب: "الطفولة، الشباب مجسداً، وأنا احتاج لذلك في كتاباتي "وتكتب هيلين أن حاجة إبسن الى الفتيات الشابات لم تكن تنطوي على نوع من الخداع أو الغش، كانت كلها نابعة من احتياجاته ككاتب، ولهذا نجد النساء اللواتي تعرف عليهن يتحولن الى بطلات من لحم ودم في مسرحياته، نساء حقيقيات بمشاعر يتمنى أن يعيشها، وفيما كانت لورا كريل، الشابة التي تعلق بها إبسن عندما كان في السادسة والخمسين من عمره، كانت امراة متزوجة في الثلاثين من عمرها، خاضعة تماماً لنفوذ زوجها، وتنفذ كل ما يطلبه منها، عندما تعرف عليها إبسن، قال لأحد مقرّبيه: " إنها تملك عينين ساحرتين، حزينتين"، كانت قد خرجت تواً من مصحّة نفسية دفعها إليها زوجها الذي كان يتهمها بأنها تسرقه، وجد فيها إبسن نموذجاً للمراة المضطهدة، وما تعانيه من ظلم، وعندما تقرب منها اكثر أحبها جداً، حتى أنه قرر أن يساعدها في محنتها، وتكفل بأن يكون مسؤولاً عنها، يلبي كل رغباتها: "الآن وجدت المرأة التي سأكرس نفسي لها، إنسانة رقيقة، إلا أن الزمن غدر بها كثيراً".. ولان المسرح هو شاغله نجده  يستخدم شخصية لورا في مسرحيته الشهيرة "بيت الدمية" من خلال بطلة المسرحية "نورا"، ولم يكن من الصعب على الذين يعرفون لورا أن يكتشفوا أنها هي بطلة المسرحية الشهيرة، وقد طلبت لورا من إبسن أن يعلن أن "نورا" في بيت الدمية ليست هي، فيكتب لها: "لا استطيع أن افهم ماذا يدور في عقلك، إن إعلاناً من جانبي كالذي تقترحينه ، اقول فيه إنك لست نورا، سيكون بلا معنى وضرباً من العبث، حيث انني لم أقل ابداً إنها أنتِ".
تزوج إبسن عام 1858، من سوزانا توريسين، كان في الثلاثين من عمره، وعاشت معه حياة مليئة بالتقلبات، ولهذا كانت اشبه بالشريكة له، فقد استطاعت أن تدير دفة حياتهما ببراعة رغم معرفتها أن زوجها يقيم علاقات بين الحين والآخر، فهي كانت ترى أن زوجها كاتباً انطوائياً، ويحتاج الى فترات من الراحة النفسية .

******
اكتشاف كيركجارد
  اكتشف أبسن معنىً جديداً للحب من خلال اهتمامه بقراءة كتب الفيلسوف الدانماركي كيركجارد، والتي كان إبسن معجباً بها بشغف، وقد اعترف إبسن في مقدمة مسرحيته "كوميديا الحب" بأنه استطاع من خلال فلسفة كيركجارد، أن يتغلب على التناقض بين متطلبات الحياة العملية والعائلية، وموهبة الكاتب التي تفرض عليه أن يعيش أنواعاً أخرى من الحب. وكان إبسن يعتقد أن الحب رسالة بالنسبة لكل من الرجل والمرأة، ولكن هو بالنسبة للنساء الرسالة الوحيدة، لكنه في مسرحياته يقدم لنا نماذج لنساء لا يتزوجن  ولا يجدن السعادة إلا بالحب، وأن يهبن حياتهن لمهمة عظيمة، فنجد بنات ستوكمان في مسرحية "عدو الشعب" يسعين بأداء مهمة من اجل مجتمع افضل، أما النساء اللواتي يقررن الزواج، فإنهن لا ينشغلن بشيء سوى بمنازلهن.
يقول إبسن، إن الرجل لايمكن أن يخطئ في اختيار المرأة التي يحبها، كما أن المرأة تقودها أقدارها دوماً في اختيار رجل حياتها: "كائنان ينجذبان كل منهما للآخر ويشعران بواجبهما إزاء تسخير كل شيء لتحقيق ارتباطهما". إن قبول زواج العقل والمصلحة والاستسلام للاعتبارات العائلية، يعد خيانة عند إبسن، وهو يدين مجتمع الرجال الذي يعامل المرأة على أنها قاصر دائماً ولا تصلح سوى لتزيين البيت، وهو يعتبر الزواج تنظيماً غامضاً علينا أن نلامسه .
قصة الحب الأخيرة في حياة إبسن كانت مع هيلدور، ابنة عائلة يعرفها منذ سنوات طويلة، كانت الفتاة قد عادت من رحلة على الدراجات حين التقى بها الكاتب الكبير لأول مرة، وقد تلا هذا اللقاء لقاءات كثيرة، وتبادل معها رسائل غرام مشحونة بالعواطف، ونراه يكتب لها وهو يهديها باقة زهور حمراء: "هذه تسع وردات حمراء لك، وتسع وردات أخرى لي، خذي الورود آياتاً للعرفان على ما امضيناه معاً من أوقات سعيدة". وكان قد قدّم لها في مناسبة أخرى خاتماً من الماس محفور عليه تاريخ 19 ايلول، وهو ذكرى لقائهما الأول، كما أهداها مخطوطة مسرحيته الشهيرة "سيد البنائين"، ورغم شدة العاطفة التي كان إبسن يحسّ بها نحو هيلدور التي فاقت كل قصص الحب التي عاشها، إلا أنه في النهاية نظر اليها على أنها مصدر إلهام، ومجددة لحياته وفنّه، ومن خلالها سيستطيع أن يعيد الشباب الى قلبه، ومثله مثل بطل مسرحية سيد البنائين – ترجمها الى العربية صلاح عبد الصبور – هالفارد سولنس، الذي يواجه اعصاراً نارياً يتمثل في شخص فتاة شابة في الثانية والعشرين من عمرها اسمها هيلدا، تحط فجأة على عش سيد البنائين، لرجل الكهل، فتثير فيه عاصفة تقتلع كلاً من سولنس وحياته المستقرة.
هيلدا هذه شابة جميلة تؤمن بالمستحيل، وهي تدفع سولنس الى تحقيق ذلك المستحيل، فغايتها أن تجده يبني بناءً عظيماً، ونجد أن حبها لسولنس هو حب من نوع غريب، فهي لا تحبه لشخصه، وإنما لأنها تستطيع من خلاله أن تحقق المستحيل،  وسولنس بدوره يحب هيلدا الحب ذاته، فهو لايحبها لأنها هي الفتاة الجميلة الصغيرة، بل لأنها توقد النار في داخله، نار الرغبة في تحقيق المستحيل.
والمستحيل هو: "قصر في الهواء، عالٍ ..عالٍ كأعلى ما تكون الأشياء" ويسألها سولنس إن كانت ستسمح له بالصعود معها الى القمة، فتقول نعم ستسمح، إذا سمح المعلم لنفسه بالصعود. ويقرر سولنس أن يفعل المستحيل،  أن يصعد الى أعلى البرج الذي أقامه متحدياً خوفه وكهولته ونظرة المجتمع إليه، ليضع باقة من الزهور، غير أنه يسقط من قمّة البرد ليتحطم جسده، ونجده وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة سعيداً، لأنه حقق نصراً روحياً كبيراً، لايهم بعدها ما يجري، ويكتب إبسن في آخر رسائله الى هيلدور قبل وفاته بأشهر – توفي عام 1906 –: " يا أميرتي، لقد استطعت أن تقودي خطاي الى النصر الكبير".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

يحدث الآن

الموارد المائية تنفي إزالة سد بادوش في نينوى

العراق يتأثر بمرتفع جوي سطحي يؤدي لاستقرار الطقس وصعود الحرارة 3 درجات

«الفصائل المتقاعدة» تزاحم الإطار التنسيقي على المناصب!

غرفة البرلمان الثانية.. مجلس الاتحاد يعود إلى الواجهة وقلق من التنافس الحزبي

العمود الثامن: مستشار كوميدي!!

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

صورة الحياة وتحديات الكتابة من منظور راينر ماريا ريلكه

وجهة نظر: كيف يمكن للسرد أن يحدد الواقع؟

مقالات ذات صلة

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا
عام

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا

ماكس تِغمارك* ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي بين كلّ الكلمات التي أعرفُها ليس منْ كلمة واحدة لها القدرة على جعل الزبد يرغو على أفواه زملائي المستثارين بمشاعر متضاربة مثل الكلمة التي أنا على وشك التفوّه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram