"لا فواحش فنية على الحيطان. الفن القطعي الإيجابي هو تجديف مقارنة بالحلم والانطباع دون تحليل. هنا الكل يغتسل في الغموض اللذيذ الكافي للانسجام." .... بودليرمن إيحاء قصيدة بودلير الغرفة المزدوجة المنشورة في مجموعة "سأم باريس" عام 1869، وكما يوحي العنوان
"لا فواحش فنية على الحيطان. الفن القطعي الإيجابي هو تجديف مقارنة بالحلم والانطباع دون تحليل. هنا الكل يغتسل في الغموض اللذيذ الكافي للانسجام." .... بودلير
من إيحاء قصيدة بودلير الغرفة المزدوجة المنشورة في مجموعة "سأم باريس" عام 1869، وكما يوحي العنوان، هو نشر أدبي جديد مكرس لاستكشاف قصيدة النثر والقصة الخيالية القصيرة. "من منا، في أيام طموحه، لم يحلم بمعجزة في النثر الشعري؟" يتساءل بودلير في مراسلاته مع صديقه أرسين هوساي، مفتتحاً : إن ما نفكِّر به هو حديث مثير للاهتمام ومعقد بين الشعر والنثر، وبين كتاب القصص والشعراء. بنشر "الغرفة المزدوجة"، نحن نأمل أن نَدخل ونُدخل آخرين إلى هذه المحادثة، فضلاً عن أننا مهتمون جداً بالفضاء الذي تحتله قصيدة النثر/ القصة الخيالية القصيرة في السياق الأدبي والتاريخي والثقافي وكذلك المادي لكتابة النص. ازدواج قصيدة النثر/القصة الخيالية القصيرة والجذور الاشتقاقية لـ "مقطع القصيدة Stanza" من اللاتينية لكلمة "غرفة"، وكذلك الوحدة الشعرية، هي تدرّج آخر مثير للاهتمام الذي نأمل أن يغذّي أكثر الجدل حول توترات النوع هذه.
بالطبع هناك كثافة من نوع ما موجودة، وعجلة ومباشرة في هذا النوع وانفراد لا يضاهى مقارنة بالأشكال الأخرى. هذه الكثافة من جانب متعلقة بتخريب أو تفكيك أو تحدي امتيازات النوع التقليدي، ومن جانب آخر محاولة لجمع معايير النوعين، لذلك فإن العلاقة المتضاربة والمتناقضة إلى حدٍّ ما تربط بصورة متشابهه توقعاتنا وتؤكدها أيضاً. بكلمات أخرى يمكن أن تبدو قصيدة النثر والقصة الخيالية القصيرة بطيبيعة حالها جدلية حوارية، تجمع بين نقيضين ومتناقضة أيضاً. هذا كلّه بالطبع يتضمن التخريب أو التفكيك، أو محاولة لتقويض أو تشويش آيديولوجية معينة، تقاليد وافتراضات ضمن الأدب واللغة.
مع ذلك فإن "فرضية جمع النقيضين" برغم أنها مفيدة ومقنعة لكنها كليشيه وبالية، وتستند إلى فئات أدبية تقليدية إلى حدّ ما. وبصيغة أخرى فإن شعار "تخريبية بطبيعتها" و "تجمع بين نقيضين" في الحقيقة يعود إلى القيود نفسها، والمحددات التي يفترض أن يقوضها؛ بمعنى التقاليد الأدبية، تعريفات النثر والشعر غير متفق عليها عالمياً، وعليه يلحق ذلك أن يكون تعريف قصيدة النثر أًو القصة الخيالية القصيرة متزعزعاً على نحو متساو. برغم أن تقاليد مختلفة تم تأسيسها في محاولة لتمييز كل نوع عن الآخر، كلّها لا محالة تنشأ من الوسط الثقافي القائم، بمعنى السياق الاجتماعي، القراءة، صناعة النشر، النقد/ المراجعة، الانثلوجيات، التقديس، الاقتصاد، الجنس، العرق، التاريخ الأدبي، والمؤشرات الأكاديمية، ..إلخ. وأشار الناقد ستيفن مونت إلى أن "التمايز السلبي" يلعب دوراً مهماً في هذا التطور.
" الأنواع الأدبية معرفة بحسب علاقتها بالأنواع المجاورة أكثر من تحديدها بمجموعة معينة من الصفات الشكلية، وذلك حتى يمكننا في أية لحظة من لحظات القراءة أن نعرف فقط بعض الصفات النوعية أو السياقية. احساسنا بالنوع اذن دائماً " في تقدم،" ومتغير أثناء استمرارنا في القراءة، ونقابل أُطر عمل تفسيرية جديدة" . بصيغة أخرى قصيدة النثر والقصة الخيالية القصيرة بالضرورة تظهر في ما يتعلَّق بأشعار وقصص موجودة أصلاً كردّ أو معارضة، احتفال، رفض، تجريب، مع أو ضد، تراجعي أو تقدمي، وأنواع أخرى (مثلاً الرواية، الشعر الغنائي، والقصة القصيرة). النوع نفسه له أرث، هو زماني تعاقبي (تاريخي) وتزامني (غير تاريخي)، بطريقة تجد كل الأنواع تعرف أنفسها بما يتعلق بالأنواع الأخرى ، في السياق التاريخي والثقافي يمكن للنوع أن يكون فريداً؛ لأنه يعرف نفسه في مقابل أنواع أخرى بواسطة التمايز السلبي والمعارضة.