من أبرز مظاهر الدول المتقدمة تصدي المثقفين، من مختلف اتجاهاتهم الثقافية، للخطاب التنويري الهادف إلى تغذية العقل الإنساني بالمعطيات المتحضرة، التي تحافظ على المنجزات الفكرية ذات المرجعيات المدنية، من دون الاستهانة بالقيم الموروثة المؤطرة للهوية الوطني
من أبرز مظاهر الدول المتقدمة تصدي المثقفين، من مختلف اتجاهاتهم الثقافية، للخطاب التنويري الهادف إلى تغذية العقل الإنساني بالمعطيات المتحضرة، التي تحافظ على المنجزات الفكرية ذات المرجعيات المدنية، من دون الاستهانة بالقيم الموروثة المؤطرة للهوية الوطنية أو المجسدة لها.. ومن هذا المنطلق لا يمكن أن نحتكم إلى الصوت الثقافي الفاعل في المجتمع الإنساني إلّا إذا اطمئن المواطن إلى وجود دولة مؤسساتية ذات مرجعيات دستورية ديمقراطية تحترم الآليات القانونية بوصفها معياراً للتعامل مع الآخر .
ومن هنا هل يمكن أن تنطبق تلك التوصيفات الثقافية على المجتمع العراقي الحالي؟ فالدولة تحتكم إلى الوصايا الدينية وتقوم على استحضار الكوامن التأريخية التي تشكل رصيداً سياسياً لبقائها أطول فترة ممكنة، وتفتش في مغاليق الماضي عن مفاتيح التناحر الطائفي وتعمّل الرماد لكي تشتعل نيرانه من جديد.. كيف يمكن في ضوء آليات فئوية أن نؤسس دولة مدنية بمرجعيات دستورية ؟ وكيف يمكن للمثقف العضوي أن يتصدى للخطاب الثقافي أو الاجتماعي أو السياسي بل حتى الفكري؟ .. إن حركة العقل العراقي التنويري مقيّدة بآواصر محكمة لا يمكن لها - الآن - أن تنسج خيوطها الفكرية لتتحمل المسؤولية الثقافية .. ولا ننكر وجود الأصوات الوطنية الأصيلة غير المؤدلجة بالأحزاب السلطوية أو الساعية الى نيل السلطة، ولا ننكر جرأتها في الطرح وإلحاحها على كشف الزيف السياسي والسلطوي، ولكن ما حجم تلك الأصوات قياساً بالأبواق المؤدلجة الرامية إلى احتكار العقل العراقي وجعله صدىً للظلامية الفكرية ؟ والسؤال الأهم هل استطاع المثقف العراقي الحر أن يشكل جبهة وطنية قادرة على قيادة الخطاب الوطني حتى تخشاه السلطة ؟ .. وثمة تساؤل آخر : ما حجم المؤسسات الوطنية من نقابات واتحادات ومنظمات المجتمع المدني وما مدى ثقة المثقف بكل تلك التنويعات المؤسساتية ؟ أقول: لا يمكن للمثقفين العراقيين الفاعلين أن يتصدروا للمسؤولية الوطنية في ظل منجزات فردية، ولعلّه من الصعب تحقيق التوازن الجمعي القادر على لملمة الأصوات المختلفة، سواء في البيئة العراقية أو البيئات الانسانية الأخرى، ولكن البحث عن طبقة واعية تتمكن من الإسهام الفاعل في خلق الرقي الإنساني داخل المجتمع العراقي بحاجة شديدة إلى تحول الخطاب الثقافي من المستوى الفردي الأحادي الى المستوى الكلّي الجمعي .. ولربما هي أمنية أفلاطونية إلّا أن التحديات السياسية والاجتماعية الراهنة تحتم بحث المثقف الوطني الفاعل عن أخيه الذي يشبهه في المرجع والفكر والموقف، لأنه لو نظرنا إلى الطرف الآخر المتضاد أو المتصادم لوجدنا أن رصيد بقائه ليس الاستغلال للآليات الظلامية فحسب، وإنما التعاضد بما يشكّل خطاباً جمعياً يغري المتلقي بأحقيته ومصداقيته .. وهذا ما يجعل الصوت الثقافي الواحد مرمياً بأحضان التكذيب والتهويل .. وإلّا كيف أفسّر مراقبة الفرد العراقي للمثقف الخارجي وبخاصة (الأمريكي) أو (الأوربي) من أجل أن يوضّح له المواقف السياسية الراهنة، أو يفسّر له وجوده وكينونته ؟ نعم: ما زال العراقيون يؤمنون أن المحرّك للعجلة العراقية هي الإرادة الخارجية، وهذا صحيح - نوعاً ما - في ضوء ضعف حكومي، وهيمنة للأحزاب الدينية ذات الولاءات الخارجية، ولكن أيضاً غياب القيادة الثقافية الفاعلة في الساحة العراقية جزء من توجه الفرد العراقي شطر القنوات الفضائية الخارجية ليبين له خيط الوطن الأبيض من خيطه الأسود.