لانتفاجأ بعد الآن إذن، إن كرّم جواد سليم في الكويت، أو أطلق اسم حقي الشبلي على شارع في تونس، أو أصدرت المغرب طابعاً عن كوركيس عواد، أو احتفت لبنان بانستاس الكرملي.. طالما أن الامارات قد خصّصت احتفالاً استذكارياً بندوة الثقافة والعلوم، في دبي، بمناسبة
لانتفاجأ بعد الآن إذن، إن كرّم جواد سليم في الكويت، أو أطلق اسم حقي الشبلي على شارع في تونس، أو أصدرت المغرب طابعاً عن كوركيس عواد، أو احتفت لبنان بانستاس الكرملي.. طالما أن الامارات قد خصّصت احتفالاً استذكارياً بندوة الثقافة والعلوم، في دبي، بمناسبة مرور تسعين عاماً على ميلاد رائد الحداثة الشعرية بدر شاكر السياب، بأمسية حملت عنوان «غريب على الخليج»، تضمنت قراءات شعرية بصوت الشاعرة الإعلامية د. بروين حبيب، وغناء بصوت كل من: أنور دراغ، ومكادي نحاس، ولوحات بورتريه بريشة الفنان البحريني عباس الموسوي، وقد تمّ إهداء إحداها لابن السياب غيلان.
وطالما أن اتحاد الأدباء الروس، احتفى بالروائي الرائد غائب طعمة فرمان، بإقامة تمثال له تقديراً لقيمته الأدبية ولمنجزه الروائي ودوره الكبير في ترجمة الأدب الروسي الى العربية. وهو استذكار يجعلنا نحسّ بكثرة ما نمتلك من رموز أحدثت انعطافات في مسيرتها، وفي كل المفاصل التي اشتغلت فيها، وأفنت أعمارها في سبيلها وفي فترات تأريخية كان يلازمها العوز والحرمان.. لكننا رغم ذلك، لم نفيها حقّها من التكريم وإعادة الاعتبار لها في زمن صار العالم يباهي برجالاته الأفذاذ الذين قدّموا خدمة لبلادهم والعالم، في وقت مازلنا نمارس (جحدنا) اليومي بحقها، إلّا بندوة هنا واستذكار هناك. لايضيف لمنجزها جديداً سوى ذكر مناقبها بخير. رغم أننا نبذل كل جهودنا في استذكار الماضي بل نتفنن باستذكاره!.
ولا نأتي بجديد، إن تحدثنا عما تعنيه الرموز الثقافية الفكرية في المجتمعات المتحضرة، فهي بالنسبة لهذه المجتمعات، قيمة عُليا، بل لا يجب التفريط بها تحت أيّ ظرف، حتى وإن اعترضت أفكارها قيم هذا المجتمع، وأفكاره، حيث يكفي أنها جزلت بعطائها المعرفي درجة استحقّت بها الخلود والشهرة.. فمارلو لم يكن ديغولياً ليمنحه ديغول اليميني امتياز حقيبة الثقافة مرتين في بلد مثل فرنسا، ويفخر هذا الأخير، وهو أول رئيس للجمهورية الخامسة، أن يتوسط في أن يعمل نجله سكرتيراً للروائي فرانسوا مورياك. وأمير بافاريا لم يكن أحمق ليترجل عن عربته، فقط ليخلع قبّعته وينحني تحيةً لمرور بيتهوفن. ما الذي فعلناه نحن لرموزنا، غير جلسات التكريم والاحتفاء والاستذكار وربما التأبين - لا فرق - والتي لا تسمن ولا تغني عن جوع؟ فإذا كان الكثير منهم قد قضى في مدافن الغربة وقسوة المنفى أعوام تسلط الدكتاتورية، فإن من يعيش بين ظهرانينا بعد زوالها، مازال يعاني قسوة النسيان وشظف العيش والإهمال.
فمازلنا بحاجة الى أن نعيد النظر بهذا الموضوع ونجعله يحظى بالاهتمام، بكونه قضية وطنية ونستنهض كل المؤسسات ذات العلاقة بوضع مشروعها للاهتمام برموزنا الوطنية، وتكريمها بالشكل الذي تستحق، بجمع الوثائق أو حتى شراؤها ممن يمتلكونها وإيداعها بمتاحف تضمّ ما انجزوه من مؤلفات، وكل ما يشير الى سيرتهم، والطبع الدوري لنتاجاتهم الإبداعية.. وتخليدهم من خلال طبع صورهم على طوابع، وأيضاً بخلع اسمائهم على شوارع في مدنهم... ثم لابأس من الاحتفاء بهم كل عام للتذكير بدورهم الريادي.
كل ذلك كي لاننسى أن رموزاً عراقية كبيرة نالها الإهمال في حياتها كما في رحيلها، ميتة في الغربة، اهمال متعمد لشاعر الكبير مثل حسب الشيخ جعفر، أضناه الروتين القاتل وهو يجاهد للحصول على راتب تقاعدي يكرّم له شيخوخته، والسبب فقدانه (إلاضبارة) التي تحتفظ بسيرته كموظف لدى الدولة.