يُعتقد بأن أول مَن راح يتلقى ثمناً للكلمة التي يكتبها للناس قديماً هو الشاعر الأغريقي سيمونايديس Simonides، الذي أصبح أسطورةً في جشعه، كما يقول كولن ديكي في مقاله هذا. وكان الشعراء قبل سيمونايديس يعتمدون على نظام الرعاية التي يوفرها لهم الوجهاء. فكان
يُعتقد بأن أول مَن راح يتلقى ثمناً للكلمة التي يكتبها للناس قديماً هو الشاعر الأغريقي سيمونايديس Simonides، الذي أصبح أسطورةً في جشعه، كما يقول كولن ديكي في مقاله هذا. وكان الشعراء قبل سيمونايديس يعتمدون على نظام الرعاية التي يوفرها لهم الوجهاء. فكانوا في مقابل الطعام، والسكن، والشهرة يزودون المحسنين إليهم بالكتابة التي تمجد فضائلهم، إضافةً لعملهم مرافقين عامين ومدربين على الكتابة الإبداعية لدى هؤلاء الوجهاء. فقام سيموناديس بتغيير هذا. وأخذ يكتب مقابل المال. وبالرغم من مستواه الأدبي الرفيع، فإنه أصبح مشهوراً بالجشع، واعتبار المال فوق كل شيء. وقد علّق أيليان، كاتب سيرته، على ذلك بقوله، "لا أحد ينكر أن سيموناديس كان يعشق المال". ويصفه أرستوفان بأنه واحد "قد يمخر عباب البحر على منخل من أجل المال".
وكان النظام الذي ازدراه سيمونايديس هو نظام الرعاية والهِبة. فقد كان تبادل السلع والخدمات يستند لا على قيمتها وإنما على قيمة العلاقة بين المُعطي والمتسلم. وكما تقول الكاتبة الكندية آن كارسون، فإن جوهر الجشع الملاحظ لدى سيمونايديس " كان سَلْعَنة commodification النشاط الطقوسي والمتبادل سابقاً، أي تبادل الهدايا بين الأصدقاء". وفي اقتصاد كهذا، فإن التزام المرء تجاه جماعته وتجاه الكتابة يفوق أي التزام تجاه النقود.
ولا يُعرف إلا القليل عن سيمونايديس العملي. فهناك تقارير قليلة متزامنة مع حياته، وقد أصبح بسرعةٍ رمزاً سلعياً للجشع. وكما يلاحظ الدارس الكلاسيكي نورمان أوستن، فليس من كاتب آخر كان على هذه الدرجة من الترافق بشكل صريح مع البخل أو الجشع، حتى وإن كتب آخرون (ومنهم بندار Pinder معاصر سيمونايديس) حول المال بصراحة مساوية. وكل هذا، كما ترى كارسون، يمكن أن يكون إشارةً إلى أننا لا نتحدث، فيما يتعلق بسيمونايديس، عن شاعر بقدر ما نتحدث عن فكرة. "وكل شيء يصبح مهماً إذا ما فهمنا جشعه باعتباره تعبيراً مجازيا من سيرة حياته عن الاقتصاد المالي المنبثق حديثاً في القرن الخامس"، كما تقول كارسون.
وقد أصبح المال معروفاً ، في الحال، وعلى نطاق واسع، كمؤثّر مُفسِد؛ فنجد بندار يتفجع في قصيدة له على تلك الأيام التي "لم تكن فيها عرائس الشعر مستأجَرات، ولا كانت أغاني تيربسيكاري Terpsichore للبيع ". وكان هوراس يقول، في معرض حديثه عن تشويريلوس، الذي كان الاسكندر العظيم يملأ جيوبه" بمقادير من النقد الملكي مكافأةً له على أشعاره النغلة المكتوبة برداءة"، إن الكتّاب الذين يعملون تحت دوافع اقتصادية كهذه يُفسدون كتابتهم والموضوع الذي تدور حوله أيضاً.
وقد استمرينا نحن في تضبيب وتلطيخ الحاجات الجيدة والكتابة الجيدة كليهما بالمال على نحوٍ ثابت تقريباً منذ ذلك الحين. واستمر تفجع بندار من عالم سيمونايديس وأمثاله قائماً إلى الوقت الحاضر. وقد راح الناقد سمير رحيم يتشكى في صحيفة التلغراف اللندنية عام 2014 قائلاً "لا يمكنك أن تذهب على صفحة فيسبوك أحد الكتّاب أو تلتقيهم في جلسة سمر من دون أن يتحول النقاش إلى ما يفعله ناشرهم ــ أو لا يفعل ــ من أجل تعزيز مبيعاتهم". وبرأيه أن خطيئة سيمونايديس الأصلية تستمر في تلطيخ عمل الكتابة حتى يومنا هذا، وأن ما ينفع الكاتب فعلياً هو ألا يعتمد على كتبه كمصدر رئيس للدخل.
ويمكن أن يكون عصر الجشع الرأسمالي هذا موشكاً على الانتهاء الآن: فمع صعود النشر على الأنترنت، لم يعد للتكاليف المادية إلا أن تتلاشى، موفّرةً بذلك عالماً لا توقعه التجارة في فخها. "ومن حسن الحظ، إن الحرية التي يقدمها الأنترنت توفر فرصةً لإعادة إحياء فكرة الكتابة للحب، وليس للمال". وقد ظل النشر الذاتي على الأنترنت إلى الآن "حافظاً للأدب القصصي الهاوي وكتابة الجنس، لكن ذلك لا يمكن أن يطول كثيراً قبل بدء الأدب القصصي الراقي بالظهور"، كما يقول رحيم. وهكذا فإننا، في ألفي سنة، لم نكن في منآى عن شكوى بندار القديمة العهد: " لقد اعتاد الرجال أن يكتبوا للحب وحده، وهم الآن يكتبون للمال ".
ربما سيبدو من السهل العودة إلى الوراء، وفصل الكتابة عن التجارة. ويمكن القول إن رؤية رحيم للكتَّاب الذين يمتلكون أعمالاً أخرى ويكتبون في وقت فراغهم، ولم تعد كلماتهم ملزَمةً بتوفير المعيشة لهم، هي حل سهل بما فيه الكفاية. غير أن قصة سيمونايديس تشير كذلك إلى الطريقة التي يكون فيها هذان الشيئان ــ الكلمات والمال ــ أقرب في القيمة مما يبدوان عليه. "إذ يظهر أن سيمونايديس كان أول مَن أدخل الحساب الدقيق في عمل الغناء وكتبَ أغنياتٍ مقابل أجرة "، كما قال أحد المعلقين على تراثه. وتلاحظ كارسون أن كلمة smikrologia "حساب دقيق"، لدى الأغريق، يمكن أن لا تشير فقط إلى" الحرص الدقيق بشأن الإنفاق المالي، الشحّ "، بل وأيضاً إلى " الحرص الدقيق بشأن تفاصيل اللغة، التعبير المضبوط ". ويذكر ديويسيوس، وهو يكتب عن سيمونايديس، أن الواحد ينبغي أن يراقب بعناية اختيار سيمونايديس للكلمات والدقة التي يضع بها الأشياء معاً "؛ والدقة exactitude هنا هي akribeia، التي لها بالمثل معنىً مزدوج: فهي يمكن أن تعني "دقة، ضبط اللغة" أو "اقتصاداً شديداً، بخلاً بالمال".
وتستنتج كارسون "إن المال كان له تأثير جذري على الثقافة القديمة. وكان رد فعل سيمونايديس عليه عن طريق ابتكار شعر الاقتصاد الجذري". وبدلاً من القول ببساطة إن سيمونايديس قد أعاق بذلك اقتصاد الهدية والرعاية الأدبي، أو اقتصاد الإحسان والتبادلية، يمكن للمرء أن يرى إن الشاعر قد أظهر، أو في الأقل عزَّز، علاقةً مستترة بين اللغة والعُملة كانت موجودة على الدوام.
عن: New republic