بين العرفانية والعمق الشعري صلة ووصل هي المحرك لأسس فنية في القصيدة التي توجها الشاعر" سلمان زين الدين" في ديوانه دروب، وفق فسحات تأملية مفتوحة على عدة تساؤلات يطلقها الذهن ، فتثير زوبعة روحانية للمعاني الغارقة بالبلاغة. ولن أتكلم كثيراً عن ديوانه "د
بين العرفانية والعمق الشعري صلة ووصل هي المحرك لأسس فنية في القصيدة التي توجها الشاعر" سلمان زين الدين" في ديوانه دروب، وفق فسحات تأملية مفتوحة على عدة تساؤلات يطلقها الذهن ، فتثير زوبعة روحانية للمعاني الغارقة بالبلاغة. ولن أتكلم كثيراً عن ديوانه "دروب" ولا عن المحتوى والاسلوب، لأن ذلك يحتاج لمساحة أكبر من مقدمة حوار اجريته معه للغوص في أجوبة عن اسئلة داهمتني وأنا اقرأ ديوانه دروب الصادر عن دار نلسن.
* من رحم التبصّر والتأمّل والتفكّر في الانسان خرجت "دروب". هل هي دروب عرفانية؟
- "دروب" هي مجموعتي الشعرية الرابعة بعد "زاد للطريق"، و"أقواس قزح"، و"ضمائر منفصلة". والعرفان، بما هو منهج في البحث عن الحقيقة ومقاربتها، موجود فيها بقوّة، لا سيّما على مستوى وحدة الوجود، والتماهي بين الطبيعة والانسان، وصدور المخلوقات عن مصدر واحد محكومة بالعودة إليه عاجلاً أو آجلاً. وبهذا المعنى، تكون ملاحظتك الذكية عن مصادر "دروب" في مكانها المناسب. غير أنّنا لا نستطيع حصر "دروب" في هذه المصادر دون سواها، فثمّة قضايا أخرى تتناولها المجموعة، من قبيل الزمن والحياة والموت والفن والمرأة والحب والسلطة...، وكيفية تفاعل الأنا الشاعرة مع هذه القضايا. وبمعزل عن ادّعاء التواضع في هذا السياق، أنا أزعم أن "دروب" شأنها شأن أيّ عمل فنّي جميل تخضع لمبدأ تعدّد القراءات، كلٌّ يرى فيها على قدر ما يتمتّع به من عمق، وبعد نظر، وقدرة على الغوص والتحليق.
* تخاطب الباطن وتترك للظاهر علامات ليهتدي الذهن اليها. هل توجّه الديوان لخاصّة الخاصّة من متذوّقي الشعر؟
- حين تولد القصائد "من رحم التبصّر والتأمّل والتفكّر"، كما أشرتِ في سؤالك السابق، لا بدّ لها من ملامسة الأعماق، وسبر الأغوار البعيدة، فما يخرج من النبع لا بدّ أن يعود إليه، غير أنّ هذه العودة تمرّ بالسطح أيضًا. وبهذا المعنى، "دروب" موجّهة الى الخاصّة كما هي موجّهة الى معظم العامّة، مع ميلي الى اعتبار الشعر فنًّا نخبويًّا للخاصّة أكثر ممّا هو للعامّة، ومع هذا، هو متاح للجميع، كلٌّ يمتح منه على قدر ثقافته ورؤيته. واذا ما عدنا الى مبدأ وحدة الوجود قد يكون الفصل بين الباطن والظاهر مجرّد وهم من بنات الأفكار والتصوّرات البشرية الغارقة في العدّ والثنائيات. وفي نهاية المطاف، نحن عندما نكتب القصيدة لا نحدّد مسبقًا الفئة التي نتوجّه بها اليها، حسبُنا أننا نعبّر عمّا يعتمل في داخلنا من رؤى، ونقول ما نكابده من انفعالات، ونبوح بما يخالجنا من أسرار، وبعد، فلتصلْ القصيدة الى حيث يمكنها الوصول، وليعبَّ كلٌّ منها حسب قدرته على العبّ والارتواء. هي ليست حكرًا على الخاصّة، وليست متاحة في الوقت نفسه لجميع العامّة.
* الأنا الظاهرة والأنا الباطنة والرمز والدلالات...هل تراودها عن أحلامها؟
- لعلّ من أولى مهامّ الشاعر المتبصّر، المتأمّل، المتفكّر، أن يراود الأشياء والموجودات عن أحلامها، وأن ينخرط في حوار معها، وأن يغوص على ما تكتنزه من معانٍ خلف المظاهر العابرة، فالشعر مسألة عمق لا مسألة سطح، والشاعر ليس جزيرة في بحر الموجودات، بل هو جزء من هذا العالم الكبير، ينبثق منه، ويتفاعل معه، ويعود اليه. والموجودات، بما فيها الشاعر / الانسان، هي مرايا "الشاعر الأعظم" تعكس ظلالاً كثيرةً له، وهي مرايا بعضها البعض، وعليه، تكون الأنا الظاهرة والباطنة والرموز والدّلالات بعض مرايا الشاعر وأدواته، في الوقت نفسه.
* يعيش الشاعر مع الوحي الشعري والمبنى المغزول بجبريّة متأثّرة بفكر اشراقي، وهذا له طقوسه القاسية. ما رأيك؟
- الشعر هو حصيلة العلاقة الجدلية الصعبة بين الوحي والصنعة، واذا كان الطرف الأول من هذه الجدلية يتعلّق بالموهبة التي يُودعها الله في الشاعر، فانّه، بالمعنى الفلسفي للكلمة، نوع من الوجود بالقوّة يحتاج الى الطرف الثاني من الجدلية، أي الصنعة، ليصبح موجودًا بالفعل، وهذه العملية دونها مكابدات وطقوس لا بدّ من أن يعيشها الشاعر لتولد القصيدة، فكتابة القصيدة مخاضٌ موجعٌ ولذيذ، في آن. على أن صنعة الكتابة، كأيّ صنعة أخرى، لها أدواتها ومختبرها، والشاعر الذي يمتلك أدواته، ويتقن صنعته، لا بدّ أن يُنتج مصنوعات جميلة أصيلة، وتكتسب هذه المصنوعات قيمة مضافة اذا ما كانت الموادّ الأولية التي تتشكّل منها جميلة وأصيلة، وهنا، نعود مرة ثانية الى منجم التبصّر والتأمّل والتفكّر وما يتيحه من موادّ أولية لا متناهية.
* "دروب" بدأت بالافصاح الشعري وقطف الدرّ المكنون. فهل هذه معارف الزهد الشعري ورحلاته البليغة؟
- في كتابة الشعر لا مجال للزهد، بل، على العكس، ثمّة مجال كبير للرغبة والحبّ والانفعال والتفاعل والتفكّر، وهذه جميعها أفعال ايجابية تقتضي الانخراط في الحياة بكلّ جوارحنا، فنحن لا نفصح الاّ عندما نضيق ونكتنز بالمعنى، ولا نقطف الدرّ الاّ عندما يُغوينا ويُغرينا. هو الجمال، المعنوي والمادّي، يُحرّك الشاعر، فينفعل به ويتفاعل معه، يفكّر فيه ويتفكّر به، وينجم عن هذه الأفعال الشعر. حتّى عندما يكون الزهد موضوعًا للشعر فالشاعر لا يستطيع التعبير عن هذا الموضوع ما لم يكن راغبًا فيه، محبًّا له.
* مقامات الأنا ومسلك الطريقة الشعرية العرفانية... ما رأيك؟
- الأنا، في بحثها عن الحقيقة وسعيها للقبض على المعنى، تتدرّج في مقامات وأحوال، وترتقي مسالك شتى، وتكابد في معراج الشوق، وتعاني مشاقّ الدرب. وهي كلّما ارتقت في حركتها، اتّسعت رؤيتها، وضاقت عبارتها، على حدّ تعبير النفّري. لذلك، يختلف التعبير الشعري من شاعر الى آخر، ويتفاوت لدى الشاعر نفسه بين مرحلة شعرية وأخرى، تبعًا للمقام أو الحال الذي تكون عليه الأنا الشعرية. واذا كان المسلك العرفاني يعتمد على القلب الى حدٍّ كبير، فانّ هذا يتناسب مع طبيعة الشعر وصدوره عن القلب، حتّى في حالة التأمّل والتفكّر.
وذات لحظة شعرية، قال الشاعر اللبناني الياس أبو شبكة:
اجرحِ القلب واسقِ شعرك منهُ
فدمُ القلبِ خمرةُ الأقلامِ
* التغيير والتطوير في دروبٍ سكنها شهريار. ما الهدف المعيّن من "دروب"؟
- للأسف شهريار ما يزال موجودًا في دروبنا، على الرغم من مرور اثني عشر قرنًا ونيّف على خلق هذه الشخصية الحكائيّة عربيًّا، فالعقل الذكوري ما يزال يتحكّم بكثيرين، ويحدّد سلوكيّاتهم وخياراتهم. أمّا التغيير والتطوير في "دروب" فيتعلّق بإعادة انتاج هذه الشخصية شعريًّا بحيث تتحوّل من شخصية مريضة، منحرفة عن جادّة الصواب الى أخرى تنهض من غفلتها وتعود الى سواء السبيل بفضل ذكاء شهرزاد، رمز المرأة الشجاعة، المبادرة، الذكية التي تعرف كيف تروّض الرجل، وتحرّره من عقد الذكورة والفحولة. وبذلك، تصبح هذه الشخصية رمزًا للتوبة والتراجع عن الخطأ. أمّا الهدف من "دروب" فهو الدروب نفسها، وحين تكون الدروب جميلة لا يعود يشغلنا الوصول، فتصبح هي الوسيلة والغاية.
* أنت تكتب الشعر والنثـر والقصّة القصيرة والنقد. ألا ترى أن هذا التعدّد من شأنه أن ينعكس على الشاعر فيك؟
- لكلّ حقل من الحقول المعرفية التي أشرتِ اليها مجاله وأساليبه وأدواته. ولا يزر حقل وزر آخر، فللنثر ملعبه، وللنقد ميدانه، وللقصّة حكاياتها. والحياة متعدّدة، متشعّبة، مركّبة، وتعدّدية المحتوى تقتضي تعدّدية التعبير. أمّا كيف انعكس تعدّد الحقول على الشاعر فيَّ، فأنا أعترف أنّه انعكس قلّة في النتاج الشعري، فمجموعاتي الشعرية لا تتجاوز الخمس حتّى الآن، أحداها ما تزال مخطوطة. كأنّ الشعر لا يقبل الشراكة أو الخيانة أو تعدّد الزوجات، ويستدعي الاخلاص له وحده دون سواه، وأنا لم أتمكّن من تحقيق هذه الرغبة حتّى الآن، وما أزال أرتكب "الخيانات الأدبية"، آملاً أن يأتي يوم أخلص فيه للشعر، وللشعر وحده، فهو يستحقّ ذلك بالتأكيد.