أخذت السيرة الذاتية، في الأدب العراقي المعاصر، خلال السنوات الاخيرة، تحظى بعناية المبدعين والسياسيين، اذ صدر عدد لابأس به من السير الذاتية العراقية خارج العراق، مثل سير نجيب المانع وصلاح نيازي وحياة شرارة وإبراهيم السامرائي. وأخيرا صدرت في قطر سيرة ا
أخذت السيرة الذاتية، في الأدب العراقي المعاصر، خلال السنوات الاخيرة، تحظى بعناية المبدعين والسياسيين، اذ صدر عدد لابأس به من السير الذاتية العراقية خارج العراق، مثل سير نجيب المانع وصلاح نيازي وحياة شرارة وإبراهيم السامرائي. وأخيرا صدرت في قطر سيرة المفكر والناقد السردي البارز الدكتور عبدالله إبراهيم بعنوان (أمواج). لقد إستمتعت وأفدت كثيراً من قراءة هذه السيرة لأسباب عدة سأذكرها، فضلا عن معايشتي لكثير من الأحداث الواردة فيها، ولاسيما ما دار منها في مدينتي (كركوك)، وإسهامي في مناقشة أطروحة الكاتب للدكتوراه في جامعة بغداد. ما أسباب إعجابي بهذه السيرة الذاتية العراقية؟
1- لقد تحقق فيها، بشكل جلي، ما يقوله إحسان عباس في أول كتاب عن السيرة الذاتية في النقد العربي الحديث (فن السيرة): "الغاية الاولى التي تحققها السيرة الذاتية هي الغاية المزدوجة التي يؤديها كل عمل فني صحيح، أعني تخفيف العبء على الكاتب بنقل التجربة الى الآخرين، ودعوتهم الى المشاركة فيها، فهي متنفس طلق للفنان، يقص فيها قصة حياة جديرة بأن تُستعاد وتقرأ، وتوضح موقف الفرد من المجتمع، كما تمنحه الفرصة لإبراز مقدرة فنية قصصية الى حد كبير، وتُريحه نفسياً لأنها تستند الى الاعتراف". إن تجربة عبدالله إبراهيم تجربة إنسانية غنية تتمثل في مساعي تحقيق الذات والتمايز والتفرد وسط ظروف صعبة وقاسية خلقتها بيئة ريفية متخلفة في طفولته وحكم استبدادي شمولي، وحروب طاحنة عدة، لكنه مع كل هذا، استطاع الوصول الى ما أراد، فأنهى دراسته الجامعية ونال الدكتوراه وصار مفكراً وناقداً يقف في طليعة نقاد السردية العربية.
2- تقدّم السيرة شهادة موضوعية حية عمّا عاشه وشاهده في العقود الثلاثة الاخيرة من القرن الماضي، وهي العقود التي سادت فيها الدكتاتورية والاستبداد والحروب، فجاء عنها نقد قائم على الملاحظة الدقيقة والتحليل العميق، كما نقرأ عن المجتمع العراقي والثقافة في تلك العقود: "كلما أنعمت النظر في العلاقة بين صدام والعراقيين وجدتها مرتبكة وخاضعة لنظرة دونية إليهم من طرفه، فقد صمّ أذنيه عن حاجاتهم المادية والمعنوية، وعايرهم بأنهم كانوا حفاة قبل عهده، واليه عُزي الفضل في تمدينهم وتحديثهم، فكل ما يستحقون وُصف بأنه مكرمة القائد لشعبه. والحال هذه، إن تراجعا متواصلا للثروة القومية، سواء أكانت مادية أم فكرية، وقع في عهده، فنَضَب معين المادي منها لأنه بُدد في الحروب والتسلح والامن، وانتهى المجتمع الى ان يكون كسيحا يسعى على بطنه، فهو يحتل المواقع الاولى للفقر بين شعوب الارض وانحسر الفكر وتراجع، فلم يبشهد عهده ازدهارا ثقافيا يُشار اليه بالبنان، فالثقافة وضعت في خدمة الايديولوجيا واندمجت بها وعبرت عنها، ولم يُسمح لها بأداء وظيفة تنشيط الوعي العام للمجتمع" (أمواج/404). وهذه الشهادة، في الوقت نفسه، تأتي بأدلة مقنعة وعرض مختلف الآراء المتعلقة بالأحداث والموضوعات التي يعرض لها في السيرة.
3- تحمل السيرة فكراً تنويرياً، نحن بأمس الحاجة اليه في ظروفنا الحالية. فكر عقلاني يؤمن بالمواطنة التي لا تقيّمُ الفرد على وفق دينه او قوميته او مذهبه، بل على وفق شخصيته وعمله وأخلاقه، فمثلا نقرأ:"كانت كركوك مثالاً لعالم متعدد ومتناغم، ولم يكن سؤال الهوية الصافية مطروحاً، وكنت أجهل الخلفيات العرقية والدينية لكثير ممن رافقتهم في مقتبل عمري. ولكنى لم أنجُ من آثار ذلك بعد الاحتلال الاميركي، فحينما شرعت في كتابة هذه السيرة، وقد أردتها مدونة اعتراف وليس تبريرا، وأستعدت فيها شطرا من حياتي في كركوك، وجدتني أعرِّف اصدقائي بأعراقهم وربما بأديانهم. على أن ذكر ذلك لم يأتِ إلا على سبيل التعريف والاشارة الى الانتماءات الطبيعية، وليس له اية حمولة ايديولوجية، وخشيت ان يكون إغفاله نوعا من التعتيم على التنوعات الخصبة فيها، وعدم الاعتراف بخصوصيتها الثقافية، فأنا أروي لمتلق لم يعلم، في الغالب، إن تعريف الشخص بقوميته او دينه او مذهبه، يُعد خلال سبعينيات القرن العشرين، انتقاصا وسُبّة"(أمواج/18). ومن ذلك الاعتراف باستقلال شخصية الفرد والتخلي عن ثقافة القطيع القائمة على ذوبان الفرد في المجموع، ونبذ ثقافة تغليب الذكورة على الانوثة، وتمجيد التسامح، والاستشهاد بأقوال الفلاسفة الغربيين مثل قول (نيتشه) "اإن اليقين الجازم، وليس الشك، هو الذي يقتل"(أمواج/396).
4- الصراحة: وهي من مزايا السيرة الذاتية الرصينة التي عرفتها الاداب الغربية مثل سيرة القديس اوغسطين وسيرة روسو اللتين قامتا على تعرية النفس في حالات كثيرة تلتبس بالآثام وتصوير تجارب ذاتية يصعب على المجتمع قبولها. نلقى الصراحة هنا في ايراد الكاتب ونقده لسلبيات ظهرت عنده في بعض مراحل حياته. كذلك تتجلى الصراحة في تصوير علاقاته العاطفية مع المرأة، وقد عبّرت الروائية والمترجمة المبدعة لطفية الدليمي عن هذا الجانب من السيرة بشكل دقيق: "يعترف الدكتور عبدالله ومنذ وقت مبكر بالتأثير الذي لعبته الانثى الصغيرة (المرأة لاحقا) في حياته. وقد ركّز كثيراً على هذا الجانب عندما أشار غير مرة الى ثلاثية (القراءة-الكتابة-المرأة) باعتبارها الترياق الشافي للجدب الروحي الذي كان يحيق به في بعض اطوار حياته. ونلمح في كتابة الدكتور عن المرأة نوعا من الصوفية الايروتيكية التي تسعى لتوظيف اندفاعات جسدية محسوبة في بلوغ مرتقيات الطهرانية الروحية الكفيلة بغسل أدران الحياة عن الروح ومدها بالعزيمة للمضي في تحقيق الاهداف المرسومة بجرأة وثبات" (جريدة المدى،27/9/2017).
5- السرد البارع والممتع القائم على تقنيات السرد المعروفة مثل خرق التسلسل الزمني عن طريق الاسترجاع والاستشراف والمشهد (الحواري والتصويري) والوقفة (الوصف والتعليقات الفلسفية)، وكل ذلك قرّبَ السيرة الى الرواية.
6- الاسلوب البليغ والرصين المعبّر بدقة عن خلجات النفس ورؤى الفكر والمواقف والمشاهد الحسية المتنوعة، ويكاد في بعض المواقف يتحول الى شعر: "طوّقني نعاس الظهيرة، وأسقطني أسيرا له كحمل ثقيل. عيناي مثبتتان على الاشجار التي لم تثمر بعد. وربما لن تثمر مادمت حيا، والكرسي يئنُّ تحتي متوجعا كأنه ينوح، ورجلاي ترفسان تراب الحديقة.."(امواج/305). وفي الوقت نفسه نرى عنوان السيرة (أمواج) بعيدا عن المباشرة والتصريح، فما العلاقة بين سيرة عبدالله ابراهيم والأمواج؟ لكن الكاتب يوضح هذه العلاقة في الصفحات الاخيرة من السيرة قائلا:"أمتصت الايام دهشتي بالبحر، ونمت الألفة بيننا، وتقوت الصحبة، فكنت أمضي ساعات العصر في مراقبة أمواجه مقبلة الى الساحل الرملي حيث تتبدد زبدا راكدا، فتعقبها أخرى، وأخرى، ومنها خطرت لي فكرة "الأمواج" التي جعلتها نظاما لمراحل حياتي في هذه السيرة" (أمواج/490). ومثل ذلك عناوين الفصول (الأمواج) والعناوين الفرعية مثل (بيضة الريح)، (حمار البراري وعاهرة سومر)، فكلها تحمل ظلالا شعرية تغري بقراءة محتوياتها.
وبعد، فهل بعد هذا كله نجانب الصواب إذا قلنا: إن سيرة عبدالله ابراهيم جديرة بالقراءة والعناية، وجديرة بأن تكون لها مكانة متميزة بين السير العربية المعاصرة؟










