TOP

جريدة المدى > عام > (سماء بغداد القرمزيّة).. يوميّات الحرب والحصار كما يرويها السفير الروسي

(سماء بغداد القرمزيّة).. يوميّات الحرب والحصار كما يرويها السفير الروسي

نشر في: 23 نوفمبر, 2017: 12:01 ص

في ثلثمائة صفحة من القطع الكبير، وفي طبعة أنيقة، قدّمت لنا مؤخراً (دار الكتب العلميّة) بالاشتراك مع الدار الفتيّة (معنى للنشر والترجمة) يوميّات الدبلوماسي الروسي (فيكتور باسوفاليوك) أيّام توليّه مهمّة سفير في بغداد في الفترة الحرجة التي تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب (عاصفة الصحراء). وتأتي أهميّة هذا الكتاب الذي ترجمه لنا الدكتور (فالح الحمراني) ليس في كونه توثيقاً يوميّاً لأحداث الحرب على العراق فحسب، بل إنه يمتدّ في بعض فصوله ليشمل الفترة الممتدة من نهاية الستينيّات إلى نهاية التسعينيّات، العقود الثلاثة التي كان باسوفاليوك فيها دبلوماسيّاً معتمداً للاتحاد السوفييتي ومن ثم روسيا، في بعض بلدان الشرق الأوسط، فالرجل المولود عام 1940 كان يعمل في هذا المضمار منذ عام 1964 أي وهو بعمر الرابعة والعشرين، وتدرّج في وظائفه حتى وفاته عام 1999 حين كان يعمل بوظيفة ممثل خاصّ للرئيس الروسي في الشرق الأوسط.
ويحيلنا العنوان إلى الصورة التي يحتفظ بها كلّ من عايش تلك الأيّام، والتي حملها الغلاف، حول بدايات الحصار وقصف بغداد والمدن العراقيّة بآلاف الأطنان من القنابل، وهي أحداث مرويّة من داخل المجتمع الدبلوماسي الذي كان لصيقاً بحكومة البعث في بغداد، فهو يروي بداية حالات الهلع والفراغ وتخلية السفارات قبل بدء الهجوم، وموقف الحكومة من جاليته التي كان بعض أفرادها يعمل في مجالات عسكريّة حسّاسة، وعن أيّام الجوع الذي طال حتّى العاملين في السلك الدبلوماسي، وعن ندرة الزاد والوقود، وعن لقاءاته بصدام حسين وطارق عزيز بوصفه احد الوسطاء الذين أنابهم العالم من أجل إقناع صدّام بالخروج من الكويت بأقل قدر ممكن من الخسائر، فقد كان الرجل هو السفير الأجنبي الوحيد في بغداد، وكانت كل الإتصالات الدبلوماسية الروسيّة والغربيّة مع حكومة العراق إيّام مأزق 1991، تجري من خلاله، كما إنه كان الناقل الرسميّ لرسائل مجلس الأمن الدولي إلى القيادة العراقيّة لفترة ما قبل تفاقمات الوضع الذي سبق الهجوم.
في بداية الكتاب يصف باسوفاليوك لقاءه بصدّام حسين قبل بدء اجتياحه للكويت بأيّام قلائل بالقول:
"كنت أنظر لصدام طيلة سنوات تعرّفي عليه، أي منذ بداية 1969، بهدوء. وبدوره تعامل معي بمودّة. وعلى كل الاحتمالات ابتسم لي، وخاطبني باسمي، ومن وقت إلى آخر ربت على كتفي. ولكنّي في هذه المرّة في 25 تموز 1990 لم أشعر فقط – وبشكل مفاجيء- بعدم ارتياح شديد تجاهه، وإنّما شعرت بالخوف منه. كانت عيونه في هذه المرّة مرعبة. ولاح فيها شر خارق للعادة...".
وبمثل هذه التفاصيل كان صاحب اليوميّات يصف كل ما جرى قبل وبعد احتلال الكويت، مرّة من جانب دبلوماسي، ومرّات من جانب مراقب محترف ومتمرّس لطبائع العراقيين وردود أفعالهم تجاه ما جرى آنذاك:
"لقد خلّف تدمير القوة الجويّة للتحالف جسرين في المدينة – الجمهورية و14 تموز – أجواء عدم راحة في المدينة. في الوقت نفسه اعتبر العراقيون أن الانجليز هم من ضرب الجسرين، نظراً لأن (الجمهوريّة) و (14 تموز) ترمزان لسقوط الملكية، وتلمّسوا في قصف الجسرين بهذين المسميين معنى خاصاً".
وسوى يوميّاته في تلك الأيّام، احتوى الكتاب على بعض من خطاباته ومقالاته حول الأزمة وما قبلها، وعلى شهادات لمن عاصروه أو عملوا معه، منها لزوجته التي رافقته طيلة أعوام عمله متنقلاً ما بين هذه الوظيفة أو تلك. كما اختُتم الكتاب بشهادة مؤثرة، هي مرثاة حملت في طيّاتها الحزن العميق المغلّف بالعرفان، من رئيسه وصديقه الأقرب (يفجيني بريماكوف) وزير الخارجية الروسي، ضمّنها ذكرياته عن عملهما المشترك في العراق وخارجه، وعن اشتراكهما معاً في المفاوضات التي كانت تجري بين صدام ومصطفى البارزاني، وعن دوره الكبير في درء الضربة الأميركيّة المقررة على العراق عام 1998. يقول بريماكوف عن أيام باسوفاليوك الأخيرة: "وأتذكر بحزن، هو بكل معنى الكلمة يمضّ في القلب، كيف إنا اجتمعنا بكامل هيئة وزارة الخارجية مع زوجاتنا بلقاء مكرّس للعام الجديد 1999. وكنت مدعوّاً أيضاً، حيث نهض فيكتور فيكتورفيتش، الشاحب والنحيل، بصورة مفاجئة، وجلس وراء البيانو وأدّى آخر أغانيه بكلماتها المتفائلة، وترقرقت دموع الكثيرين".
فلقد كان الدبلوماسي الكبير هذا، شاعراً، وعازفاً محترفاً (خريج معهد موسيقى) ومغّنياً له أغان في ألبومين، فوق كلّ هذا. عدا عن كونه لاعب كرة قدم ممتاز، وهو من كتّاب صحيفة (الحياة) اللندنيّة بمقالات كان يكتبها باللغة العربية التي يُتقنها تمام الإتقان.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

صورة الحياة وتحديات الكتابة من منظور راينر ماريا ريلكه

وجهة نظر: كيف يمكن للسرد أن يحدد الواقع؟

مقالات ذات صلة

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا
عام

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا

ماكس تِغمارك* ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي بين كلّ الكلمات التي أعرفُها ليس منْ كلمة واحدة لها القدرة على جعل الزبد يرغو على أفواه زملائي المستثارين بمشاعر متضاربة مثل الكلمة التي أنا على وشك التفوّه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram