"أنا هذا الرجل الذي خانته تاء التأنيث أنى وأين ما صادفها، وتحت أي مُسمّى أو شكل، إبتداءاً من تلك التي أشرأبتُ من ظُلمات رحمِها إلى نور الحياة، وحتى آخر إمرأة ظننتُ إني عشقتها، أو عشقتها فعلاً! ... لا أدري إن كانت لي هوية، فالنكرات مثلي ليسوا بحاجةٍ لها، أما عن أعظم أحلامي، أو مطامحي، فلم أذكر إنها كانت أكثـر من توفير مشروب كحولي لذيذ لنسيان واقعي الأليم، وإملاء معدتي بوجبةٍ دسمة، مشكلتي الأكبر، أومُلازمتي التي أشقتني، وقد تكون هي من أوصلتني إلى ما أنا عليه اليوم، تلك الحاجة الدائمة للجنس، وهذا الهياج الذي أعانيه أغلب الاوقات............... ببساطة أنا رجلٌ خسر كُل شيء، حتى كدتُ أن أكون أغنى رجلاً في هذا الكون لأني لا أملكُ ما أخسره....."
لم يكُن توفيق يتحدث، بل كُنت أنا، من ستكتب مقالها عن أولى الروايات العراقية التي قرأتها، بعد أن كُنت قد أيقنت ألّا وجود لروايةٍ عراقيةٍ تُقرأ.... ليطلب مني شخص دعى نفسه بـ "المجنون" وبإلحاح، أن أقرأ رواية "المسرات والأوجاع" للروائي الراحل فؤاد التكرلي، والصادرة عن مؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون، واعداً إيّاي بأني لن أندم على قراءتها.
لن أتحدث طويلاً عن مدى إمتزاجي بهذه الرواية، لأني أرغب بأن أُعطي بطلها السيد "توفيق لام" حقه، لكني سأختصر وصفي لقدرة الكاتب على شدّ القارئ من خلال "إني لم أكن أترك الكتاب إلا حين يغلبني النعاس لأغفو باللاشعور مُحتضنةً هذه الرواية.."
مُقدمة مقالي هذا كانت عن لسان توفيق، بطل رواية"المسرات والأوجاع" لم يقُل توفيق شيئاً من هذه المُقدمة بل أنا التي وضعت تلك الجُمل والكلمات، عن رجُلٍ استفزني كثيراً، لا أدري ما إذا كان يتوجب عليّ أن اتعاطف معه، أم احقد عليه، ولا أنكر إنه ابكاني كثيراً، ليُضحكني في العديد من الصفحات أكثر، وفي صفحاتٍ أخرى لا امنع نفسي من إطلاق الشتائم وألصقها بالسيد "توفيق" ...
إنحدر توفيق من عائلة عبد المولى، وهو إبن سور الدين الأبن الاصغر لعبد المولى، حيث ولد الطفل الأول الذي كسر قاعدة القُبح التي توارثها آل عبد المولى "أبً عن جد" إلا أنه وعلى ما يبدو تلك الوسامة الشديدة كانت مصحوبة بالكثير من سوء الحظ وخاصةً مع النساء، حيث بدأت حكاية سوء حظه أولاً مع أمه التي حرمته من أمواله، حتى الرمق الأخير في حياتها، ويمتد سوء طالع توفيق مع النساء لعلاقته العشقية الأولى بالسيدة الجميلة آديل، التي يُفتتن بها في حفل في ليلة رأس السنة، حتى تظهر آديل عند كل رأس سنة وتعود للإختفاء، ويبدو إنها سيدة السنوات المسروقة فمع كل إختفاء لها تعود لتجد توفيق العاشق المنتظر بوفاء يزداد سوءاً، ورغم عشقه الأبدي لآديل إلا أن غيابه تخلل معشوقات وزوجة واحدة وهي كميلة، جارتهم من آل قصابي، التي كانت تنتظرهُ مُراهقاً يمرّ من تحت نافذة غرفتها وهي في التاسعة من العمر، وبعد أن تتزوج ثُريا شقيقة كميلة من عبد الباري شقيق توفيق، تكبر مطامح كميلة هي الأخرى بالزواج من توفيق، ولأن هاجس الجنس العظيم لدى توفيق كان المتغلب الأول عليه فقد لعب هذا دوره بزواج توفيق من كميلة، لتكسر أنوار حاجز الصمت الجسدي لتوفيق بعد زواجه من كميلة، وتظهر هذه الشابة الجميلة المتزوجة بأحد اقارب توفيق فتأسره بقبلة ظل هذا الرجل يبني عليها الكثير من الآمال، إلا أن بعد انتهاء حياة توفيق الزوجية، بسبب رغبة كميلة بإنجاب طفل، بينما كان توفيق رجلاً عقيماً، تبدأ حكاية جديدة له في بيت "أبو فتحية" ومع ابنته فتحية، التي نشأت في بيئة بسيطة جداً تختلف تماما عن تلك التي انحدر منها توفيق لام، وهنا تستمر حياة توفيق مُنشطرة بين فتحية، وأنوار التي كانت تظهر دائماً كضوء بعيد ما إن يشتعل حتى يسبقه الإنطفاء، فلا يتمتع هذا الرجل بنوره الدائم، ولايعتاد على ظُلمته، ليُطفِئ التكرلي هذا الأمل بصفعة تكاد لاتخرج عن الواقعية التي من الممكن أن تشهدها الحياة بين فتاة في ربيع شبابها، ورجلٌ خرِف مُنقاد نحو شهواته ويحاول أن يجرفها خلف تلك الرغبات.
في صفحات الرواية التي يسردها التكرلي بصوت الراوي العليم، وتلك الاخرى التي يسردها توفيق لام لنا، وبتقنية عالية لايمكن أن نتغاضى عنها، أجاد بها الكاتب وابدع من خلال انتقالاته بين اسلوب الراوي العليم، واسلوب تدوين المذكرات وأخرى التي حدثنا عنها توفيق، كُنت ألمس جانباً من الامتزاج بين التكرلي وتوفيق، وأتساءل، هل إن توفيق يُشبه إلى حدٍّ ما شخصية التكرلي، ام إن هذا الأخير استطاع أن ينقل لنا صورة الانسان الذي يحمل في داخله هذا الكم من المشاعر المتناقضة، فتركنا في ريبة الشبه بين الراوي والبطل!
الإنسانية التي تحملها هذه الرواية موجعة، صبّها التكرلي في شخصية بطله، الذي لا يبحث سوى عن ما يُسكت جوعه، وبعض الأموال التي تسمح له بتجاوز الشهور مع حفظ ماء الوجه، وإمرأة جميلة يُطفئ بها لعنة شهواته التي أشقته، كُنت أطمح لو سبقت كلمة "الاوجاع" كلمة "المسرات" في عنوان الرواية، فشقاؤنا الأبدي هو الحياة التي تتشاطر بين إنكسارات العشق الذي يفقد بريق البدايات، وبين التفكير في الغد ولقمة العيش التي تُحجّم مطامحنا.










