TOP

جريدة المدى > عام > الكبار بحاجة إلى وقفات أُخَرْ..علــي الشــوك في ســيرتـه الذاتيــــة (2-2)

الكبار بحاجة إلى وقفات أُخَرْ..علــي الشــوك في ســيرتـه الذاتيــــة (2-2)

نشر في: 16 نوفمبر, 2017: 12:01 ص

كتابة المذكرات في عمر متقدم

 

ولأن المبدع الكبير الأستاذ علي الشوك، قد دوّن مذكراته هذه في سنوات عمره المتقدم، حيث يعاني كآبة ونسياناً، ينص عليهما في مواطن متعددة، وكما جعلني أجهش بالبكاء وأنا أقرأ لقاءه أسرته وذويه يوم يزور العراق مدعواً لمهرجان المربد سنة 1989،  فإنه آذاني نفسياً وأنا أقرأ شكواه في أنه ما عاد يجد لذة في القراءة، وهذه الظاهرة بدأت تلازمه  مع إحساسه بالانطفاء، ولم يكن يتصور أن هذا الانطفاء سينال القراءة أيضاً (أنا منطفىء الآن لأسباب بايولوجية وهذا بات يورث عندي أفدح أنواع الكآبة، فأنا أريد أن أكتب حتى النفس الأخير، أريد أن أكتب عن مريم المجدلية والمسيح لكن الشعلة منطفئة وهذا شيء غير عادل أبداً) ص 267.
والأفجع أني أقرأ في الصفحة ذاتها مطلقاً آهة حرى، إنه ما عاد يستطيع أن يلتقط ما يقرأه... (لم تعد هنا شاشة في رأسي تسجل ما أقرأه... وحاولت الشروع بالكتابة عن الموضوع، لكنني صرت أكتب وأمزق أكثر من مليون مرة إنه الانطفاء وهذا العن من الموت، أيتها الأفكار لا تخذليني، ويا صفاء الذهن هلّم إليَ ولو بجزء من طاقتك. ص 268.
علي الشوك متطابق لسانه مع جنانه
العراقيون كلهم الذين يحيون في بلاد الاغتراب، يظهرون عواطف أراها كاذبة، إزاء الوطن الذي تركوه، أراهم في أدبهم وكتاباتهم يظهرون حنوهم، ورغبتهم في العودة إليه، ويذرفون الدموع في اللقاءات التلفازية، إلا هما علي الشوك، والشاعر سعدي يوسف فهما يعلنان رأيهما الصريح الصادق بوطنهما الذي كان، وإنهما ما عادا يستطيعان العيش فيه، ومرة قرأت رأياً قريباً منهما أطلقته المذيعة التلفزيونية ميسون البياتي، في لقاء أجري معها من مغتربها، فهو إذ يزور العراق مدعواً لمربد عام 1989 ويجول في بغداد ذاهباً إلى قاعة الرشيد، حيث تعقد وقائع المهرجان يقر إن"بغداد تبدو لي أقل ألفةً من ذي قبل (...) وأنا احسني أشبه بسائح يطوف في مسالك يدب فيها بشر آخرون (...) تلفت حولي، لم يقع بصري على من أعرفه (....) أتطلع إلى"الدجلة"العظمى فإذا هي قد جفت مآقيها وتصيهدت (....) وقد أحزنني أن افتقد أي أثر لكتاب باللغات الأجنبية (....) ولا تعثر على أسطوانة واحدة لبيتهوفن، أو سترافنسكي (...) بعد أن كانت هناك أكثر من مكتبة عامرة بالكتب باللغتين الإنكليزية والفرنسية، وغيرهما من اللغات العالمية الحية (....) وأكثر من مكتبة عامرة بالأسطوانات الموسيقية مثل مكتبة اورزدي باك الممتازة وكذلك مكتبة كورونيت (....) كنت أحسني سائحاً في وطني: تراجع ص 140-147.
الحياة العراقية تنكفىء وتتراجع
لقد كنت وأنا صغير أذهب مع أخي الكبير، وأبناء عمومتي الأكبر إلى سينما روكسي، فيذهلني منظر الجالسين في كازينو روكسي الشتوي يقرأون بالإنكليزية مع رائحة القهوة التي تنبعث من هذا الكازينو الذي آل وكل هذا المرفق الحضاري في – سنوات تلت – إلى بياب وخراب لقد تراجعت بغداد وتريفت، بعد أن غادرها أهلوها إلى اللا أين.
وإذ تعقد جلسة أسرية مستثمرين وجوده في بغداد لحضور المربد لحثه على البقاء وعدم المغادرة، فإنه يعلن رأيه بحسم:
- أنا لا أريد فراقكم، لكن مكاني لم يعد العراق (...) أنا لم أقم بهذه الزيارة لكي أعود إلى العراق العراق انتهى بالنسبة لي (....) أنا لا أستطيع أن أعيش في العراق بعد الآن هل هذه أنانية؟ (....) أنا لا أستطيع أن أعيش في بلد يحكمه بلطجي"تراجع ص 157-ص161.
ولأن الأستاذ علي الشوك – كما قلت آنفاً – قد كتب مذكراته هذه في عمر متقدم بعد أن وهن عظمه واشتعل رأسه شيباً ونحن في بلاد العرب والشرق، لا نكاد نفقه ثقافة كتابة المذكرات، لأننا متشرنقون بألف شرنقة وشرنقة ولا نكتب مذكراتنا – غالباً- حتى إذا قعدنا لنكتب، وجدنا الذاكرة موشومة، والرغبة متآكلة لذا فإني إذ قرأت مذكراته ذكرياته هذه التي دونها في كتابه (الكتابة والحياة) وجدته قد سها عند بعض الأمور، أو أوردها على غير الوجه الصحيح رأيت الوقوف عندها خدمة للحقيقة ضالتنا جميعاً.

تصويبات
1- حين يتحدث عن إصدار مجلة (الثقافة الجديدة) وصدر عددها الأول في نيسان 1954، فإنه ينص على إن"السلطة عطّلت المجلة وعطّلت كل شيء آخر، وبعد تعطيل البرلمان أعلنت الأحكام العرفية، ودام إعلانها حتى 14 تموز 1958، ص24.
أقول: إن الأحكام العرفية كانت تذاع بإرادة ملكية، ويحدد موعدها وما استمرت حتى تموز 1958، لسبب بسيط إن في هذه السنوات أجريت أكثر من انتخابات نيابية وآخرها في مايس 1958 وتطورات إعلان الاتحاد العربي الهاشمي بين الأردن والعراق، على العكس من ذلك ظلت الأحكام العرفية معلنة طوال سنوات عديدة بدليل استحداث منصب الحاكم العسكري العام، في الجمهورية الأولى الزعيم الركن أحمد صالح العبدي، وفي الثانية كان الحاكم العسكري العام هو العميد رشيد مصلح وألغى طقس ومفهوم الانتخابات.
2- في الصفحة ذاتها يذكر انهم يتحدثون الآن عن تلك المرحلة مرحلة العهد الملكي بحنين طاغ، ونسوا إن حلف بغداد انعقد في تلك الأيام أيام الأحكام العرفية حيث تتعطل الحياة السياسية ونسوا أيضاً إن العراق كان فيه نظام إقطاعي هو الأسوأ في العالم.
أقول: لكي لا أطيل في الحديث، وما أرانا نقول إلا معاداً أو معاراً من قولنا مكروراً، سيكون ردي على هذه الفقرة، قول الشوك ذاته في الصفحة ذاتها لكن الشر كان أهون بكثير".
3- في ص 179، يذكر ما نصه (وواصلنا السير باتجاه كرادة مريم إلى بيت عبد المجيد القصاب، الذي كان رئيساً لمجلس النواب العراقي في أيام العهد الملكي...).
أقول: إن عبد المجيد القصاب، ما كان رئيساً لمجلس النواب بل أبوه عبد العزيز القصاب (1882- 1965)، الذي كان من رجالات السياسة والإدارة البارزين في العهد الملكي (1921- 1958)، وخلّف ثلاثة من الأبناء هم عبد المجيد القصاب، وكانت عيادته في الشارع الذي يؤدي إلى جسر الشهداء، وقد راجعته سنة 1964، والطبيب الفنان التشكيلي (خالد القصاب) (1928/22/7/2004)، وثالثهم المهندس المدني (سعدون القصاب) (1929-1999).
4- ص181: جاء قوله:"وسأشير إلى ثلاثة قصور بنيت قريبة من بيت جدي، بعد أن اشترى أصحابها الأرض من جدي، هي قصر خضوري وقصر حييم، وقصر استيفان الأرمني، ابن قنصل روسية القيصرية في العهد العثماني(....) ثم أصبح قصرا خضوري وحييم مقراً للقيادة البريطانية، بعد دخول بريطانيا بغداد في الحرب العالمية الأولى، وبعدها انتقال الإنكليز من هذين القصرين إلى سفارتهم التي بنوها في الكريمات.....).
أقول إن الإنكليز ما بنوا سفارتهم في الكريمات بل انتقلوا إلى القصر الذي بناه كاظم باشا الداماد في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكان صهراً للسلطان عبد الحميد الثاني، وقبل ذلك استخدموا القصر مقراً لقيادة الجيش البريطاني عند دخولهم بغداد في 11/ آذار 1917، ثم مقراً للمندوب السامي البريطاني السير برسي كوكس، وأخيراً مقراً للسفارة البريطانية في العراق عند إعلان استقلال العراق وقبوله عضواً في عصبة الأمم 1933.
5- ص 188، يورد اسم الكاتب ورئيس الديوان الملكي المغربي الذي كان صديقاً لعمه احمد الشوك، وسيعود إلى ذكره على الصفحة 191،يورد اسمه بصيغة (احمد سوسة).
والصحيح: أحمد بن سودة، وكان يذكر اسمه كثيراً في أخبار تلك السنوات ولعله خلط بين اسمه واسم المهندس والباحث العراقي الدكتور احمد سوسة (1900- 1982).
6- ص 211: يذكر أن الحصار فرض على العراق سنة 1991، ومن المعروف إن الحصار فرض إثر الدخول العراقي الفاجع لأراضي الكويت يوم الخميس 2/ من آب/ 1990 وتداعيات هذا العمل المتهور.
7- يستخدم الأستاذ علي الشوك تعبير (بالمرة) قاصداً أبداً متأثراً بالأغنية الفيروزية زوروني بالسنة مرة حرام تنسوني بالمرة!
الورقة للمخطوط والصحيفة للمطبوع
8- لدى إشارته إلى مخطوطة (أخبار البلدان) لابن الفقيه، وتدوينه مقتبسات منها على الصفحات 120و 123 و 124 و 125 و 127 و 129 و 130 يحيلنا إلى صفحات المخطوطة، والدقة تقتضي منا الإحالة إلى الورقة وليس الصفحة، للتمييز بين المطبوع والمخطوط، نشير إلى صفحات المطبوع وللمخطوط، أو المخطوطة، أي التي لم تحقق وتطبع فنحيل إلى الورقة، وليس إلى الصفحة فمصطلحات تحقيق المخطوطات العربية دقيقة جداً.
ويظل هذا الكتاب، السيرة الذاتية لعلي الشوك، قمين، فضلا عن علي الشوك ذاته، وجدير بحديث وأحاديث، فالكبار بحاجة إلى وقفات أُخَرْ.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

صورة الحياة وتحديات الكتابة من منظور راينر ماريا ريلكه

وجهة نظر: كيف يمكن للسرد أن يحدد الواقع؟

مقالات ذات صلة

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا
عام

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا

ماكس تِغمارك* ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي بين كلّ الكلمات التي أعرفُها ليس منْ كلمة واحدة لها القدرة على جعل الزبد يرغو على أفواه زملائي المستثارين بمشاعر متضاربة مثل الكلمة التي أنا على وشك التفوّه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram