"هذا هو أفضل عالم بين كل العوالم الممكنة" هذه العبارة للمفكر المعروف ليبنتز. المعروف عن هذا الرجل إنه لا يميل الى العنف وميال كثيراً الى الهدوء والراحة. ما كان مثل غيره هاوي إثارة بل كان مهنياً يكسب عيشه بكتابة حوادث بلاط هانوفر. كتب فلسفةً سيئة وكتب فلسفةً حسنة ولم يعبأ كثيراً بنشرها لأنها تكلفه ما يكسبه بعسر.
هذا العرض، وهذا الوصف لهذه الشخصية، يقربها منا، من عديدين غير متكسبين، غير مهرجين ميالين للصخب ولكن للكتابة الهادئة بعيداً عن الإثارة وبعيداً عمّا هو غير ضروري للفهم.
لكن ليبنتز ليس وحده له هذه الخصال. لنا اساتذة كبار وللعالم، يمتازون بالهدوء واللطف الإنساني وبالنزر من الكلام. هو أدرك ، كما أدركنا، الكثير من الأمور السطحية واللغو اللا طائل وراءه ومن الأكاذيب التي تشغل أجواء الناس وتبعدهم لا عن الحقيقة حسب ولكن عن هدوئهم الشخصي وعن سكينة العيش والحياة.
كان له تفكيرٌ ديني أساساً، قًلبَ بطانته ليكون سلوكاً شخصياً. هو يعلم، كما نعلم، بأن هناك ضرورات جبرية وإن الدنيا ليست تحت سلطاننا فعليه احترام هذا الواقع بما أن العوالم الأُخرى لا تبدو أكثر خيراً من عالمنا.
هذا الكلام ينفعنا ألّا نلجأ الى الهرب لننجو. وألّا نكون مخربين وندخل العالم في فوضى. إحترام الواقع والعمل لإصلاحه بهدوء، بعقل، وبتقدير، ذلكم هو العمل السليم. الإنقلابات الانفعالية والهياجات والصخب المنفلت لن تؤدي الى حال أفضل. استياؤنا مما في الواقع ليس مقبولاً أن يكون دافعاً لتخريبه أو لتدميره. ولكن أن نتبصّر وأن نشخص عيوبه بعلمية، وكلٌ بتخصصه. ومن ضمن هذه التخصصات "علم السياسة" لا تهريجها. بذلك نحدث تغييراً للأفضل.
للأسف لم نعتد على الهدوء في الإستياء وفي التغيير أو الإصلاح. نحن نتعامل بإنفعال مفرط وبعدوانية تضيع علينا النتائج المرجوة من الإحتجاج أو من النقد أو من الرفض. فترانا ننتقل من واقع سيئ أردنا له بديلاً أفضل ، لنواجه سيئات أخرى كامنة سرعان ما تسيطر على المشهد.
الجماهيرية لا تعني أبداً نفي التخصص والعلم والإدراك السليم الهادئ. على العكس، مفروضٌ بها أن تتبنى ذلك لتكون متبصرة بما قد يسرق جهاديتها ونضالها. وهذا تماماً ما تعرضنا له ونحن جميعاً نعرف تفاصيله. لسنا في زمن الثورة الفرنسية ولا في زمن ثورة اكتوبر. نحن في عصر أكثر مدنية، أكثر تحضراً، أكثر وأفضل علماً ورؤية. الجماهير غالباً، وهي تتفجر من أذى ومن سوء وأخطاء، لا تدرك إن وراء ما ترى مشكلةً أعمق ستفيد منها القوى الانقلابية او الجائحة لتعزلهم مرة أخرى وأن بعد بضع سنوات من الوعود والاصلاحات الجزئية، المظهرية ... وحتى عبور الجسر.
نعلم كم شغلت البشرية أكاذيبُ العِرق والدين وأدخلتنا في سنوات دمار وقتل وكراهات بعضها ما يزال عالقاً بالنفوس التي لم تبرأ منه. مع إن الناس أدركوا اكذوبة العِرق وكشفت لهم المختبرات الانتماءات المتباعدة جداً.
هذا مثل لما ندعو إليه. دعوتنا لعدم ابتعاد التخصص العلمي والنضج الثقافي عن حركات التغيير أو حركات الاصلاح، لكي أولاً لا تضيع جهود العاملين. وثانياً لكي لا تنبثق شرورٌ مخبأة وراء مظاهر الأشياء. رؤية السطح مطلوبة ولكن الاكتفاء بها هو الخطأ المميت ولاسيما في عصرنا الملغوم بالخطط وبخرائط المستقبل وبالخطوط السرية التي قد تسحبنا الى خسارات فادحة فنعود نثني على ماضٍ كان سيئاً و رثّاً. ثمة عقائد قائمة على أسس لا وجود لها ولكنها عملت على حرق وتخريب العالم، النازية مثلاً، العلماء يعرفون ان لاّ عِرق و لا نقاوة جنس . لكن تنحية التخصص عن الفعل جعل هذه الأفكار وسائط اثارة. كما أنها خدمت الحاضر الشخصي للزعماء الفرديين وهم بذلك التأييد والهياج يفتقدون التوازن بعد أول انتصار، وسيكتشف الناس ذلك ويرون بأعينهم الجبروت!
الحرية التي توظف هنا ليست كافية وحدها إنْ لم تكن المنطلقات سليمة علمياً. إن المعاني المختلفة لكلفة حرية لا تعني تحرر الجماهير العشوائي وهي وحدها ما انجزت فعلاً إصلاحياً. في روما وأوائل الامبراطورية كانت الحرية تعني حق أعضاء مجلس الشيوخ الاقوياء في نهب المقاطعات. وبروتوس، بطل يوليوس قيصر لشكسبير، كان يُقرض البلدية بـ 60% فوائد وحين تفشل في التسديد يستأجر عسكراً لمحاصرتها. والحرية في يومنا هذا لها معنى مقارب لتلك المعاني وكما يوظفها أساطين الصناعة والمنتجون المتحكمون بالأسواق. والفرد حراً لن يؤتمَن إذا لم يحدده قانون ويردعه نظام وقوة مراجعة. هذه الحرية تختلف عن حرية الأمة التي تعني الخلاص من سيطرة أجنبية يسندها الوعي بالتفاصيل وبالتوقعات.
في الأحوال كلها، أي سلوك "حر"، أي تصرف بحرية في زماننا، يستوجب رؤية سليمة، يستوجب علماً وإضاءة تخصص تسهم في توجيه العمل النضالي وتكشف حدود وسلامة البيئة قبل الحركة لتضمن جاهزية هذه القوى وتضمن لها نتائج سليمة. والا فهو الارتباك وهي الفوضى وهي التضحيات والخسائر بينما نحن ننتظر الافضل!
مراكز البحوث والعلماء المتخصصون، علوماً صرفة وعلوم سياسة وقانون وزراعة وصناعة وإدارة أعمال وري وعلماء نفس ومهندسون واصحاب خبرةً عارفون ...، هم الذين يجعلون المد المتمرد أو الثوري او المحتج منتجاً لنتائج مطلوبة ويحقق إصلاحاً. العصر يقول هذا. لا أريد تحديد حريتكم ولكن أريد الخطى على الطريق الصحيح.