رحل علي أبو شادي، وكل مافعله عبر سبعة عقود أنه وطّن فكره النقدي في كتبه كأسلوب عيش وحياة، وهنا يكمن الفارق بينه وبين نقاد عصره وجيله. لم يكن أبو شادي متسرعاً في إطلاق الأحكام من حوله. حتى تلك الأفلام التي سبغت بالرواج كعملة سائدة ومتحكمة بالسوق، وهي كثيرة في مسيرة السينما المصرية على أية حال، لم يتردد في وضعها في سياق تاريخي محدد وصارم، وتأجيج محاكماتها النقدية بروية وتعقل، والتذكير على الدوام أن هناك قمماً أيضا أنتجت ولم تكن أبداً في الهامش الذي يتيحه السائد المغشوش، وهذا ظهر جلياً في كتابه ( أبيض وأسود ) الذي خصصه لثمانية عشر فيلماً تعتبر من التحف التي ظهرت في أوقات متباعدة.
قد تبدو عملية الدخول في عناوين كتبه محاولة لتقديم التحية للناقد الكبير علي أبو شادي، وفي هذا ليس تغليباً على حياته التي تسلم فيها مهام إدارية كثيرة وحساسة في بلد كان يعيش على الدوام على وقع انقلابات سياسية وفكرية تضع من يكون في مثل هذه المواقع بين نيران مختلفة، ولكن أبو شادي استطاع أن يحفظ للسينما وجهها النقي، كما في كتبه، كذلك في مهامه الإدارية الجمة، وهو يدرك تماماً أن نيران هذه المدافع ستظل مصوبة نحوه، وقد شهد له كثر أنه ساند أفكاراً وأفلاماً ومقدمات وبديهيات خلال عمله في رقابة المصنفات الفنية ولم يكن بوسع أحد غيره فعل ذلك.
ستظل كلاسيكيات السينما المصرية عنوان مقدمة سينمائية لمرحلة جديدة قادمة، وهي تشهد بذلك على أن علي أبو شادي كان في صميم هذه الكلاسيكيات يقدم ويحلل للقارئ العادي، وللقارئ المتمكن على حد سواء مايضمن إمداده بكل مايلزم لاستنباط حساسية نقدية جديدة، حتى يمكن القول ببساطة إن أسلوب عيش وحياة الراحل في كتبه كانت تعني الكثير، الذي لايمكن اختصاره بعجالة من أي نوع.
- مخرج وناقد سينمائي فلسطيني










