TOP

جريدة المدى > عام > غواية القراءة: عندما تولد حياة مضيئة من رماد الشر والحروب

غواية القراءة: عندما تولد حياة مضيئة من رماد الشر والحروب

نشر في: 17 فبراير, 2018: 07:44 م

|       12       |

 

من بين العوالم العديدة التي لم يتلقاها الإنسان من الطبيعة، ولكن خلقها في عقله، عالم الكتاب هو الأعظم، بدون الكلمات، ولا كتابة الكتب لم يكن ليوجد تاريخ ولا حتى مفهوم الإنسانية. إن أراد أحدٌ ما أن يجمع تاريخ الروح الإنسانية في مساحة صغيرة، في بيتٍ واحد، أو في غرفة واحدة، لتكون له وحده.. يمكنه فقط أن يجمعها على هيئة مجموعة من الكتب
هرمان هيسه

في عصر أحد الأيام دخل الى المكتبة التي أعمل بها عبد الرحمن منيف بصحبة الناقد ماجد السامرائي، وعلى الرغم من أنه روائي مشهور، إلا أنه أصر أن يعرفني بنفسه، كنت قد قرأت له الأشجار وإغتيال مرزوق، وشرق المتوسط، وكانت الروايتان قد صدرتا ضمن منشورات وزارة الثقافة العراقية.قال لي ماجد السامرائي إن منيف يبحث عن كتاب، بعنوان"فاوست كما آراه"، أخبرته بوجوده وذهبت لإحضاره وأنا أشعر بالسعادة لأنني تمكنت من تلبية طلب روائي وكاتب مهم، ناولته الكتاب، وما إن نظر الى العنوان حتى ابتسم وهو يقول: الذي أبحث عنه هو مسرحية كتبها شاعر فرنسي شهير اسمه بول فاليري.
كنت قبل أكثر من عام حاولت أقرأ فاوست لغوته بترجمة محمد عوض محمد، ولم أستطع المضي فيها، فقد كنت أتوقع إنها رواية على غرار روايته الشهيرة"آلام فرتر"التي سحرتني منذ السطور الأولى، ووجدت عبد الرحمن منيف يقطع علي تأملاتي قائلاً: يبدو انك لاتعرف إن فاوست كتبها أدباء كثيرون قبل جوته وبعده. وبدأ يعدد بعض الكتب والاسماء"بول فاليري، مارلو، توماس مان، فاجنر"أسماء البعض منها، اسمع به للمرة الاولى، قلت له إنني قضيت أسبوعاً أحاول أن أقرأ فاوست لكني لم أفهم منها شيئاً، باستثناء المقدمة التي كتبها طه حسين وأخذت أقرأ له مقطعاً من مقدمة الكتاب الذي في يدي حيث يقول طه حسين:"“الكتابة عن جوته كثيرة جداً ولا تكاد توصف، متشعبة تشعباً ليس من اليسير أن نحيط به، قوم يكتبون عنه طفلاً، وآخرون يكتبون عنه شاباً، وقوم يكتبون عنه فيلسوفاً، وهؤلاء يعنون بفاوست الأول وأولئك يعنون بفاوست الثاني، وآخرون يعنون بفرتر، وقوم يعنون بقصصه التمثيلية". ابتسم عبد الرحمن منيف وهو يقول: بالمناسبة الكتاب الذي في يدك هو الجزء الاول فقط من فاوست فهناك جزء ثان، وأنصحك بقراءة ترجمة عبد الرحمن بدوي فهي ترجمة متميزة ورشيقة".
أثناء عملي في المكتبة أيقنت جيداً إن كلمات الزبائن وخصوصاً الذين يشتغلون في مجال التاليف، تساعدني كثيراً على اختيار الكتب الجيدة، والبحث عن الأسماء التي أسمع بها للمرة الأولى، في تلك الأيام كنت اعتقد انني أستطيع الإجابة على أي سؤال عن الكتب، وكان هذا الغرور دائماً ما يضعني في مواقف محرجة، مثلما وجدت نفسي أمام عبد الرحمن منيف وهو يردد على مسامعي عناوين لكتب واسماء تطرق سمعي للمرة الأولى، قال لي عبد الرحمن منيف وهو ينهض: حاول أن تجعل من القراءة واقعاً تعيشه، الكتب كثيرة وأشار الى رفوف المكتبة، ثم أضاف:"ضع قائمة خاصة بقراءاتك، لاتقرأ من أجل المتعة فقط رغم أهميتها، إقرأ من اجل ان تعيش اكثر من حياة"ثم قال وهو يصافحني :"لاتنسى أقرأ فاوست حتى وإن شعرت بالملل، دع الكتاب يقوم بالمهمة.. لايعني شيئاً للقارئء إن لم يفهم بعض الصفحات، يكفي إنه يشعر بالحماس لإتمامه".
لقد كانت كلمات منيف مدهشة وصادمة لدرجة لم أستطع إلا أن أقول له إنني ساعتبر نصيحته دليلاً في القراءة.
في تلك الفترة كنت بدأت بقراءة بعض الكتب، ولكني لم أستطع انهاءها.. فقد توقفت عن اكمال اعترافات جان جاك روسو حيث شعرت بالضجر. وإذا سألني أحد آنذاك ماذا تحب كنت أجيب كتب سلامة موسى لأنها سهلة وبسيطة وأفكارها واضحة، بعض كتب طه حسين، ملخصات الكتب التي كانت تنشرها سلسلة كتابي، ولطالما اعتبرت نفسي عاشقاً لتوفيق الحكيم. لكن بعد نصيحة عبد الرحمن منيف الثمينة، بدا لي أمر حتمي أن أعيد قراءة بعض الكتب.
كان ارسطو يردد بان القراءة توقظ داخل القارئ ما لايعرفه سابقاً في الحياة، عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري اقتنيت نسخة من رواية آلام فرتر بترجمة أحمد حسن الزيات، وجدت الرواية مسلية برغم كمية الحزن والأسى التي تتناثر بين سطورها، والمعروف إن هذه الرواية كتبها غوته للخلاص من محنة حب فاشل لشارلوت بوف التي كانت مخطوبة لأحد اصدقائه، لكن جورج لوكاش وهو يكتب عن الرواية في كتابه"غوته وعصره"يؤكد إن هذه الرواية كانت أصدق تعبير عن البؤس الالماني والتخلف الاجتماعي الذي عانته الحياة الألمانية في ذلك الحين. فآلام فرتر حسب لوكاش هي محاولة للتعبير عن نزعة ثورية طالبت بالتحرر الكامل للشخصية الانسانية في صراعها مع المجتمع:"إن فرتر قد جسد في ذاته جدل الصراع المحتدم بين الشخصية الانسانية والمجتمع المتخلف الذي يعوف تطورها واكتمالها".
ولد جوهان فولفانج غوته في فرانكفورت في الثامن والعشرين من آب عام 1749، والده محام صارم الفكر، أصر أن يتعلم ابنه اللاتينية والعبرية والفرنسية والإنكليزية وهو صغير، وطلب منه أن يكتب مقالات وينظم الشعر، ويقرأ كتباً في الفلسفة والفنون، هذه الحياة التي ارتبطت بالكتاب نجده صداها في شخصية فاوست الذي دائما ما يعقد مقارنة بين مغامراته مع الكتب وحكاياته مع النساء، يدرس غوته القانون في كلية ستراسبورج لكنه لايعمل في سلك القضاء مثلما تمنى والده، فقد انصرف للكتابة، ليصبح بعد سنوات واحداً من أهم أدباء المانيا، وليحظى بالتكريم خلال سني حياته التي استمرت أربع وثمانين عاماً، حيث توفى عام 1832
عام 1774 صدرت الطبعة الاولى من رواية آلام فرتر كان غوته في الخامسة والعشرين من عمره، ولم يكن يتصور أن تلك الصفحات الحزينة التي كتبها عن تجربته مع العشق يمكن أن يتخاطفها الناس، ويصبح الشاب فرتر بوجهه الحزين والكتاب بين يديه نموذجاً لجيل بأكمله، وشهيداً من شهداء الحب، كان هذا أول كتاب يصدره غوته، لكنه وضعه في المقدمة من أدباء المانيا وأصبحت آلام فرتر بداية لعصر جديد في الادب سمي"عصر الرومانسية".
كان غوته قد فكر في بداية الأمر أن يكتب مسرحية عن آلام الشاب فرتر، لكنه في النهاية استقر على رواية، تروي بعضا من سيرة حياته، فبطل الرواية لايتجاوز عمره الثالثة والعشرين من عمره، وبطلة الرواية لوت، هي شارلوت بوف التي تَعرّف عليها في تلك السنوات، ويخبرنا كتاب سيرة غوته إنه في تلك الفترة كان يائساً وفكر في الانتحار، وعندما عجز عن تنفيذ ذلك، نفذه على الورق، فبطل الرواية بعد أن يفقد الأمل في الحصول على محبوبته، يكتب رسالة وداع أخيرة، يقرر فيها الانتحار، وقد حملت سيرة حياة غوته حكاية حب تقترب بشكل تام مع حكاية حب فرتر، يكتب جورج لوكاش إن غوته في هذه الرواية كان واحداً من أجرأ الكتاب الذين سلطوا الضوء على حياتهم الخاصة.
****
منذ أن تَعثرتُ في قراءة فاوست غوته، وبعد نصائح عبد الرحمن منيف، التي لن أنسى تأثيرها، بدأت في البحث عن كل ما يتعلق بفاوست، وكنت محظوظا لأنني أعمل في مكتبة توفر لي الكثير مما أنوي قراءته، ولذا عندما أعدت قراءة فاوست بعد سنوات وبترجمة عبد الرحمن بدوي حوّلت الأمر الى قضية شخصية. وكان الخيار الجديد هو أن أبحث عن أصل حكاية فاوست.
تختلف الحكايات والروايات عن حقيقة وجود شخصية باسم فاوست، فبعض الدراسات تثبت أن شخصية فاوست مستمدة من رجل كان يعيش في إحدى المقاطعات الالمانية، اسمه يوهان فاوست اشتهر باعتباره ساحراً ومحضر للارواح، ونقل عنه إنه كان يقيم علاقة صداقة مع شبح إدّعى إنه الشيطان، وقد صدر عنه عام 1587 لمؤلف مجهول، أول كتاب تحت عنوان"تاريخ الدكتور يوهان فاوست"وفيه يروي المؤلف مغامراته وكيف وهب نفسه للشيطان والنهاية التي انتهى اليها منبوذاً. بعد عام من صدور هذا الكتاب تظهر مسرحية للكاتب الانكليزي كريستوفر مارلو بعنوان"مأساة الدكتور فاوستس"وقد تعرف مارلو على قصة فاوست من خلال ترجمة انكليزية للحكاية، وقد وجد فيها مادة مناسبة لطرح أفكاره الفلسفية، حيث درس مارلو اللاهوت والفلسفة ونال شهادة الماجستير، ولهذا نجد أن فاوست مارلو يحاول من خلال الفكر والفن أن يتوصل الى الحقيقة. وقد تأثر مارلو بكتاب الأمير لميكافيللي، ولهذا يكتب في مقدمة المسرحية:"دعهم يعلمون إنني أدين بما كان يدين به ميكافيللي ولست أقيم وزناً للناس، ولهذا لا أهتم بما يقولون"، فالاستحواذ على القوة هو هدف فاوست في مسرحية مارلو، والصراع في المسرحية يتجلى في ذلك القلق النفسي الذي يعيشه فاوست، فهو لا يريد سوى العِلم الذي يستطيع من خلاله السيطرة على العالم، ومن أجل ذلك تتنازعه قوتان"الخير والشر".وهو نزاع يحدث داخل نفس فاوست ينتهي بأن يخضع الخير لقوة الشر التي تبين لفاوست بانه سيصبح سيداً لهذا العالم، ويحاول أن يستبدل السحر بالفلسفة والقانون، لقد بهرته شخصية الثائر المتمرد والباحث الذي لايعرف الهدوء والسكينة. ولهذا نجد مارلو يجعل من فاوست أشبه بثائر يضيق بالكتب ويتطلع الى المعرفة التي تأتي من خلال تجارب الحياة، ولأنه يريد كل شيء يتعاقد مع الشيطان الذي يطوف به أنحاء العالم، ورغم كل ما يحققه إلا أن ضميره لايدعه يفرح بهذا الانتصار، فنسمعه يردد مع نفسه:"إني عندما أشاهد السماوات أشعر بالندم أيها الشيطان الخبيث". لتنتهي حكايته بانتهاء عقده مع الشيطان الذي يقوده الى الجحيم. ونجد فاوست الذي قال في بداية المسرحية انه لو كانت له أرواح بعدد نجوم السماء لأعطاها كلها للشيطان، وهو يخاطب نفسه في لحظاته الأخيرة، وكأنه متهم يواجه تنفيذ الحكم
آه يافاوست
لم تعد أمامك الآن من حياتك إلا ساعة يتمية تعيشها
وبعدها عليك أن تواجه اللعنة الابدية.
تبدأ مسرحية فاوست لغوته بمشهد في السماء يطلب فيه مفيستوفيلس"الشيطان"من الإله أن يمنحه الإذن لكي يوقع عقداً مع فاوست يشتري من خلالها روحه، فيمنحه الإله ذلك الإذن. غوته يريد أن يؤكد إن الإنسان مهما كان طموحاً، محباً للمعرفة والمتعة والسلطة، فان فيه غريزة لن تخذله أبداً، وسترشده في النهاية الى الطريق الصحيح.
بدا غوته بكتابة فاوست عام 1771، قبل أن ينشر آلام فرتر حين كان في الثانية والعشرين من عمره، لكنه لم يكملها واستمر في كتابتها بشكل متقطع حتى انجزها عام 1831، قبل عام من وفاته، لم تظهربشكل كامل إلا بعد موته بست سنوات. ولهذا اعتبر العمل اشبه بوصية فلسفية وفكرية عكس فيها غوته التحولات الجذرية التي غيّرت المجتمع الألماني والعالم بأسره، ومثلما يكتب لوكاش لم تكن فاوست مجرد تشخيص لمصير غوته الشخصي وإنما كانت :"تطويراً مستقلاً متميزاً للوعي الذاتي القومي، بل للوعي الذاتي للبشرية". ونجد هذا المعنى في نشيد البداية حيث يخبرنا فاوست:
أود أن أتمثل في أعماق قلبي
ما قدر للبشرية جمعاء
أن أدرك بعقلي أسمى الأشياء في نظرهم وأعمقها،
وأجمع في قلبي سعادتهم وشقاءهم
وبذلك أصل ما بين كياني وكيانهم
وأتحطم في النهاية كما يتحطمون.
تبدأ أحداث المسرحية باتفاق يتنازل فيه فاوست عن روحه لمفيستوفيلس مقابل أن يمنحه لحظة واحدة من الفرح والانتصار.
في بداية القسم الاول حاول إغواء فاوست للفتاة مرغريت بمساعدة مفيستوفيلس، حيث تنتهي قصة الحب هذه بكارثة شبيهة بما حدث لبطل آلام فرتر، إذ يقتل فاوست شقيقها، فتفقد مرغريت عقلها وتموت.
أما القسم الثاني فيدور حول قصة حب أخرى بين فاوست وهيلين التي يستحضرها من عالم الأموات بمساعدة مفيستوفيلس وتكون ثمرة ذلك الحب الطفل"يوفورين"الذي سرعان ما يتبخر في الهواء كالدخان، والموضوع الرئيسي في هذا الجزء هو حب فاوست وهيلين الذي يجري في جو من المغامرات، وتبلغ ذروته حين يحاول مفيستوفيلس أن يجرّ فاوست معه الى الحجيم رغم إنه لم يحصل على لحظة فرح حقيقية، ليدرك في النهاية أن الفرح الحقيقي ليس في السيطرة على الآخرين والبحث عن القوة والسلطة وإنما في مساعدة الناس، عندها يتخلص فاوست من وساوس الشيطان وينتصر عليه. وهكذا نجد غوته يؤمن بأن لولا الشر ولولا تضحية هيلين ما كان في إمكان فاوست أن يحقق حلمه النهضوي، وأن يعطي إنسان العصور الجديدة مكانته، وشكه الانساني في الخالص، بعيداً من اليقين المريح.
لقد نجحت مسرحية فاوست التي أطلق عليها اسم إلياذة العصور الحديثة أن تلخص لنا من خلال مسيرة فاوست من السقوط والبؤس الى الارتفاع والخلاص، مسيرة البشرية ذاتها وهذا ما جعل النقاد يعتبرون عمل غوته هذا عملاً أدبياً وفنياً لايقاس به أي عمل آخر تناول شخصية فاوست، وهو الأمر الذي جعل جورج لوكاش يعقد مقارنة بين فاوست غوته وظاهريات الروح لهيغل، والذي انتهى منه بنفس الوقت الذي انتهى فيه غوته من كتابة القسم الاول من فاوست، ونقرأ في سيرة الفيلسوف الالماني الشهير انه كان يحتفظ بمخطوط"ظاهريات الروح"في جيب معطفه أينما يذهب، وإنه طلب مساعدة صديقه غوته ليقنع أحد الناشرين بطباعته، لكنه لم يجد إقبالاً من القراء حيث وجدوا صعوبة في حل ألغازة، ونراه يخبر غوته أن لا أحد يريد أن يفهمه. وإذا كانت فاوست تلخص حياة الإنسان وتجارب مصير البشرية، فان ظاهريات هيغل تشرح لنا تطور الوعي الفردي خلال مراحله المختلفة منظوراً إليه كتلخيص للمراحل التي قطعها وعي الإنسان في مجرى التاريخ، واذا كان هيغل قد نظر الى التطور التاريخي بوصفه عمل الانسان نفسه وأدرك إن الانسان يخلق نفسه من خلال عمله الخاص، فان هذا على وجه التحديد هي الصيغة الفلسفية لفاوست.. الإنسان الذي يخلق مصيره من خلال عمله الخاص.
في العام 1932 يلقي الشاعر الفرنسي بول فاليري كلمة في الإحتفال الذي أقيم بمناسبة مئة عام على رحيل غوته وفي هذا الخطاب يتحدث فاليري عن فاوست وغوته إنهما شخص واحد:"وأول ما ينبغي أن تعرفه عن فاوست هو قلقه الخالص والشك الدائم، وهي الصفات التي لازمت غوته طوال حياته"، بعد هذا الخطاب بثماني سنوات ينشر بول فاليري مسرحيته"فاوست كما أراه"ويكتب في مقدمة المسرحية:"وجدتني ذات يوم من عام 1940 اتحدث مشدوها بلسانين وأجأر مضطرباً بصوتين، ثم رحت أخط على الورق ما كان يوحي إلي به غوته".
يصور لنا فاليري فاوست شيخاً طاعناً في السن نشاهده في المشهد الأول يملي مذكراته على الشابة لوست.ولكن أثناء كتابة المذكرات يظهر صديقه بيير دوكس رجل الدين الشاب الذي يذكرنا بشخصية مفيستوفيلس"الشيطان"الذي يدس في المذكرات ورقة تثير شهوة فاوست، ويحس فجأة بأنه في شوق لاحتضان لوست، ويشعر فاوست إنه بحاجة الى مساعدة الشيطان دوكس ويتفق الإثنان على أن يوقعا عقداً يتنازل فيه أحدهما للآخر عن وجوده، وفي بيت فاوست يحاول دوكس أن يقنع لوست بإقامة علاقة مع أحد تلامذة فاوست لتتمتع بشبابها بعيدا عن العجوز فاوست، لكنها ترفض العرض فهي تحب الاستاذ ليس لجسده وقدرته الجنسية وإنما لعلمه وفكره، في عمل بول فاليري نجد الشيطان ضعيف ولايملك القدرة على التلاعب بمصائر الناس، ويؤكد فاليري إن شيطان العصر الحديث بإمكان أي إنسان أن يتسلى معه، وهو عاجز على الانتصار على البشر الذي تحولوا هم الى شياطين هدفهم أن يعيشوا، مجرد حياة وحسب ولا يهمهم بعد ذلك أي إتجاه من الحياة يجب أن يعيشوا
*******
عندما بلغ توماس مان الثالثة عشرة من عمره عثر في مكتبة والده على نسخة قديمة من كتاب فاوست المطبوع عام 1587، سحرته الحكاية، بعدها قرأ ما كتبه غوته، فقرر أن يؤلف رواية يعطي فيها وجهة نظر إنسان القرن العشرين لشخصية فاوست، ستكون الرواية بعنوان"دكتور فاوستوس"تصدر عام 1947، كان يعيش منفياً في اميركا التي وصل إليها وأراد أن يقدم للعالم شهادته عما جرى خلال الحربيين العالميين اللتين حصدتا أرواح الملايين، يكتب توماس مان في يومياته:"في هذه الرواية أريد أن أقدم بطلاً من زماننا، شخصية تراجيدية، مأساة متنقلة وقوة الشر في عينيه، وقد باتت تحمل آلام العصر وشروره"لكننا في رواية توماس مان لانعثر على فاوست وإنما على خليفة له اسمه"ادريان ليفركون"الذي هو خليط بين شخصية فاوست في الحكاية الشعبية وشخصية الفيلسوف نيتشه الذي كان له الاثر الكبير على توماس مان الروائي والاديب، تتناول الرواية الفترة ما بين عام 1885 السنة التي نشر فيها كتاب نيتشه الشهير هكذا تكلم زرادشت، وتنتهي عام 1945 حيث توقفت الحرب العالمية الثانية باندحار ألمانيا، وكان توماس مان يعتقد إن هذه الفترة كان فيها المجتمع الألماني مريضاً، خسرت فيها المانيا حربين عالميتين، ويشبه توماس مان ما حصل في ألمانيا بما حدث لبطل روايته الموسيقار أدريان ليفركون، إذ أغواه الشيطان ليأخذه الى طريق الهلاك مثلما جر حكام المانيا البلاد الى الموت والدمار والحروب، حيث نجد الراوي وهو أستاذ متقاعد معجب الى حد التقديس بشخصية الموسيقي أدريان ليفركون، وهو نوع من عبادة الشخصية الالمانية، فادريان برغم تفوقه العقلي يقع ضحية الشيطان الذي يمثل الشر، إنه الدكتور فاوستوس وهو يمثل الشر المطلق الذي يقول عنه توماس مان إنه لابد منه"فالعبقرية الخلاقة لا يمكنها أبداً أن تزهر من دون تواطؤ جهنم معها. فالخير لا يصنع إبداعاً".
ونجد توماس مان في الرواية يخاطب معلمه نيتشه في سطور معبرة تلخص لنا فكرة الرواية: إننا لانخلق من العدم شيئاً جديداً، فذلك من شأن الآخرين، إننا نفرّج عن أنفسنا فقط، ونطلق الحرية. إننا ندع الشعور بوطأة النفس والشكوك وسواها تذهب الى الشيطان، فعليك أنت أن تمهد السبيل، فأضرب في الأرض وشق الطريق الى المستقبل، فإذا الصبية يتبعونك، فهم ليسوا بحاجة الى الجنون ليفعلوا ذلك، فجنونك أنت كفاهم شر الجنون، فعلى جنونك يعيشون أصحاء، وعلى أكتافهم تعيش أنت صحيحاً، أفهمت،فانك لن تشق لنفسك الطريق وسط صعاب الزمن، بل إنك تشق الطريق وسط الزمان نفسه".
في فاوست غوته كما في فاوست فاليري ومن بعده توماس مان نحن إزاء بطل لايرضى بما وصل إليه من معرفة وعلم، وكما أن فاوست غوته كان عليه أن يُسلم نفسه للشيطان، فان فاوست مان يضحى بكل وجوده من أجل الإلهام الشيطاني، وبينما ينقذ الحب فاوست غوته، فإن العلاقة مع المرأة تحرم بطل توماس مان من لذه الإحساس بالحب. فاوست غوته ترمز لمصير البشرية، بينما فاوست توماس مان تشير الى محنة الشعب الألماني الذي سلّم نفسه لشعارات النازية"ألمانيا فوق الجميع"وكان مصيره في النهاية الدمار مثل بطل الرواية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مآثر فوق التصوّر

في غياب الأستاذ

رحيل ناجح المعموري ..حارس الاساطير البابلية

وجهة نظر: السينما المُدجَّنة: بيان في النقد

"مذكرات بكويك"… أقرب إلى سينما فيديريكو فيلليني المبكرة

مقالات ذات صلة

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة
عام

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

لطفيّة الدليمي ها نحنُ ثانية على مبعدة ساعات من بدءالسنة الجديدة. أهو حدثٌ كبير؟ جديد؟ يستوجبُ التهيئة المكلفة والتقاليد الإحتفائية المكرورة من سنوات؟ ما الذي يحصل كلّ سنة؟ لا شيء. يتبدّلُ وضع العدّاد ويبقى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram