TOP

جريدة المدى > عام > "الرجع البعيد" النفوس الخربة والبحث عن ديمومة الحياة

"الرجع البعيد" النفوس الخربة والبحث عن ديمومة الحياة

نشر في: 21 ديسمبر, 2017: 12:01 ص

النهايات البعيدة، بآلامها، ومسراتها، كيفما تكون سيحيطها الخذلان، يبدو إن هذه الأرض يسكنها الخراب منذ وقت طويل، وهنا لا نقصد بخراب المدن فيها والطرقات، بل هو خراب النفوس ودمارها...

 

حين تجسد لنا أسرة صغيرة وطناً بكل تناقضاته، خلافاته واختلافاته، انكساراته الكثيرة وانتصاراته القليلة، سنتيقن حينها أن هذه الأرض بكل مآسيها تسكن كلاً منا....
هكذا يُلخص، ويحسر الروائي فؤاد التكرلي العراق بعمق شخصية أفراده في أسرة (ابو مدحت) في رواية (الرجع البعيد) الصادرة عن دار المدى للاعلام والثقافة والفنون...
ويبدو إن مسرات التكرلي وأوجاعه هي من قادتني لقراءة هذه الرواية، والتي فضلت أن اطلق عليها اسم(سيناريو) لفيلم سينمائي أو عمل درامي ناجح جدا فيما لو تم عمله بشكل صحيح...
من خلال قراءتي لروايتي التكرلي لاحظت إنه غالبا ما يُظهر جانب القوة،الصلابة،الرغبة باستمرار الحياة وخلق حياة أفضل، من قِبل المرأة العراقية، وغالباً ما يظهر لنا صورة الرجل المستسلم، المُنتظر للحظات الموت والرحيل والانهزام، الذي يعلن انكساره وهزيمته قبل ان يخوض أو يكمل معركته، وها هو من جديد في رجعه البعيد يجسد لنا شخصية ثلاث رجال(مدحت،عبد الكريم،حسين) لازالوا في بداية الطريق إلا إن اليأس الفلسفي قد سيطر عليهم..
بينما سنجد في جانب آخر من الرواية أن (مديحة) أعطت للحياة معنى اخر رغم انكسارها وجسدت عطاءها بإهتمامها بتربية ابنتيها اللتان هجرهما أباهما، وهي بذلك كانت تحاول أن تقدم للحياة أفراداً صالحين وهذه بحد ذاتها رسالة عظيمة تحملها شابة منكسرة... كما نجد إن منيرة التي صُبّ بروحها الخراب صباً بعد جريمة الاغتصاب البشعة التي تعرضت لها، ولكنها رغم ذلك هربت دون استسلام محاولةً البحث عن الحياة، ومن يقرأ روايات التكرلي سيجد إنه يُقيّم دور المرأة المتحدي للعقبات ولأصعب الظروف، وقد أصف التكرلي بأنه منصف بحق المرأة في ذلك لكوني إمرأة!أيضا يمكننا أن نستشعر نفَس الطرفة وروح الفكاهة بروايات التكرلي، فمن يُتابع ما كتبه هذا الرجل سيجده دائم السخرية، والطرافة فيما يقدمه من أدبيات، إنه يسخر من الألم، فبين انتقالاتنا عبر مشاهد الوجع خلال الرواية سنلمس روح المرح في تحريك شخصيات أبطال الرواية،وحتى من خلال اضافة شخصيات ثانوية ما أن نقرأها حتى نجد إننا عاجزون عن منع شفاهنا وقلوبنا عن الابتسام، وهذا واضح في رواية الرجع البعيد من خلال العجوزين (اخت عبد الرزاق، وام نورية) ، وشخصيتي ابو شاكر وابو ناظم في الحانة على سبيل المثال...
وبين تسليط الضوء على دور المرأة، والنفَس المرح في العمل الروائي والذي سنجده باسلوب التكرلي في الرويّ على الدوام، سنلمس نقطة مهمة جدا في روايات فؤاد التكرلي حيث لن يغفل عنها من يقرؤها جيدا، (ليست كل رواية تصلح لأن تتحول الى عمل مسرحي او سينمائي او درامي) إلا أن روايات التكرلي استحقت وبجدارة أن تُجسد كأعمال مهمة جدا وعظيمة سينمائياً، وهنا سأتحدث عن رواية الرجع البعيد، التي يمكن ان نصفها على انها سيناريو جاهز، في الحوار وتوصيف الحدث والحالة وظرفية الزمان والمكان، حتى إنه يسهل لأي قارئ أن يعيش ضمن عالم الرواية من خلال تجسيد المشهد والحوار فيها،فما أن نقرأ حوارات رواية الرجع البعيد حتى نجد أنفسنا نُقلد اسلوب ابطال الرواية اثناء حديثهم،بانفعالاتهم، طريقة الطرح والنطق وحتى درجات ونبرات موجات الصوت، وهذا ما سيعتاده من يقرأ للتكرلي سيجد أن اسلوب هذا الرجل الذي يجمع بين السهل والممتنع قادرا على جرنا ضمن تيارات عوالمه التي يرسمها من خلال حروف على ورق وبعد لحظات يجد القارئ نفسه واحدا من ابطال رواية التكرلي هذا إن لم يجد نفسه متجسدا بجميع ابطاله....
إن رواية الرجع البعيد ككل تصلح تماما لأن تكون عملاً درامياً ضخماً أو سينمائياً مهماً، كما إننا سنلحظ احتوائها على مشاهد قصيرة لأعمال مسرحية، أو مشاهد تصلح أن تكون فيلماً سينمائياً قصيراً...
لننتقل أخيرا إلى حبكة التكرلي وأسلوبه العام في السرد، والخاص في رواية الرجع البعيد،من يقرأ أي كتاب للتكرلي يمكنه أن يتعرف على بصمة هذا الرجل دون قراءة اسمه على أغلفة كتبه،فبصمته حاضرة واسلوبه خاص، بين سهولة الجملة، ووضوحها، وبين عمق الفلسفة في النص، وروعة الانتقالات بين الفصول وضمن الفصل الواحد خلال الصفحات، هذه العناصر والتقنيات كان من شأنها ان تجرّ القارئ باللاوعي الى الاستمرار بقراءة كتب التكرلي دون الشعور بمرور الوقت،او الملل،فشعلة التشويق، والشغف لمعرفة المزيد تستمر لدى القارئ حتى الصفحات الأخيرة،ذلك إن على قُراء التكرلي ان يكونوا مستعدين دائما لمفاجآته غير المنتظرة بين فصول رواياته، والتي تظهر غالبا بعد المئة صفحة الاولى من الرواية.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

الكشف عن الأسباب والمصائر الغريبة للكاتبات

موسيقى الاحد: عميدة الموسيقيين

النقد الأدبي من النص إلى الشاشة

صورة الحياة وتحديات الكتابة من منظور راينر ماريا ريلكه

وجهة نظر: كيف يمكن للسرد أن يحدد الواقع؟

مقالات ذات صلة

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا
عام

علاقة الوعي بالمعنى والغاية في حياتنا

ماكس تِغمارك* ترجمة وتقديم: لطفية الدليمي بين كلّ الكلمات التي أعرفُها ليس منْ كلمة واحدة لها القدرة على جعل الزبد يرغو على أفواه زملائي المستثارين بمشاعر متضاربة مثل الكلمة التي أنا على وشك التفوّه...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram