TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > متلازمة الأميرة النائمة (سومنوفيليا)، والإغماء السياسيّ

متلازمة الأميرة النائمة (سومنوفيليا)، والإغماء السياسيّ

نشر في: 18 ديسمبر, 2017: 09:01 م

بشأن الفعل (غَشِيَ)، قد يتساءل المرء عن الرابط بين مفهوم الإغماء (الغَشْيَة والغَشَيان) وفكرة المداهمة والمُداخلة (غشيني أمرٌ مقلق) ومفهوم النكاح (غِشْيانُ الرجل امرأته).
سأحدثكم، قبل الخوض بأصل الموضوع، عن ظاهرة ما يُسمّيه اللسان العربيّ بالمرأة الربوخ، وهي المرأة التي يُغمَى عليها أثناء الجماع. والكلمة من تَرَبَّخَ، أي استرخى. والرَبوخُ من النساء هي التي يُغْشى عليها عند الجماع، وقد رَبِخَتْ. وكان هناك من يكره نموذج الربوخ. حسب كتب التراث، جاء رجل لعلي بن أبي طالب وقال: زوجتي مجنونة، فقال: ما بدا لك من جنونها؟ قال: إذا جامعتها غُشي عليها، فقال: تلك الربوخ، لستَ أهْلاً لها. ولم نجد في مرويات هذا التراث حالة علنية لمن يُفضّل المرأة الربوخ. وهذا يلامس ظاهرة تسمّى في اللغات الأوربية (متلازمة الأميرة النائمة) أو سومنوفيليا (somnophilie). يتعلق الأمر بنوع من الشغف الجنسيّ paraphilie المتطرّف أو الشاذ، أو بانتكاس نوعيّ يحدث للشخص فيه استحثاث جنسيّ عبر إيقاظ شخص نائم أو فاقد للوعيّ، أو عبر قطع نومه، ويتمّ عبر الاحتكاك الحسيّ به مباشرة، ولكن دون استخدام القوة والعنف.
وأصل الموضوع أن في حياتنا السياسية الراهنة نوع من الإغماء السياسي، الذي يتشاطر فيه بعض الساسة وأنصارهم على حد سواء، بعض الأحزاب وبعض المنتمين إليها كليهما، ثمة توهّم للعالم، يُسمّى أحياناً، بنوع من التبسيط، أيديولوجيا. بل أن مُحبي إغماءة الأميرة النائمة، يتوسلون استحثاث "الرغبات" الدفينة المطمورة نحو السيدة الرمزية الكبيرة فاقدة الوعي (التي أُفْقِدَت الوعي بالأحرى)، عبر حماس ذاتيّ مُتخيَّل: كل أيديولوجيا تقوم، كما يبدو، على حماس ذاتيّ متوهَّم، إغماء.
وإذا كانت العلاقة في اللغة العربية بين الجنس وفقدان الوعي مُّعقّدة عبر الفعل (غَشِيَ)، فالعلاقة بين السياسة وفقدان الوعي أكثر تعقيداً، لأنها مقنَّعة بأقنعة مُحْكَمة لا يستطيعها الفعل الجسديّ. لكن هناك مثلنا، دون شك، من لا يحبّذون المُغمى عليه سياسياً. الفعل غشي ينطبق أيما انطباق على ظاهرة الإغماء السياسي (والثقافيّ استطراداً)، بطرفيها وبالمعنيين المعروفين في آن واحد: الأول غُشِي عليه غَشْيَةً وغَشَياناً يعني أُغْمِيَ عليه، فهو مَغْشِيٌّ عليه، وهي الغَشْيَة، وكذلك غشْيَةُ المَوْت. قال الله (نَظَرَ المَغْشِيِّ عليه من المَوْتِ)، وقال (لهم من جهنمَ مِهادٌ ومن فَوقِهم غَواشٍ)؛ أَي إِغْماءٌ. والثاني: الملابسة والمباشرة والاختلاط بالأمر وتغطيته، تقول (غشيني حادث جلل، فتماسكتُ)، كأن الأمر يتعلق باندفاع مفاجئ لصالح القائم بالفعل: غَشِيتُ الرجُلَ بالسَّوْط، ضَرَبْته. أما المعاني الملحقة فلا تمرق من هذين المعنيين: الغِشْيانُ إِتْيانُ الرجُلِ المرأَةَ. وقول القرآن (فلما تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمرَّتْ به)؛ كناية عن الجِماع. يقال تغَشَّى المرأَة إِذا عَلاها، وقيل للقِيامةِ غاشِية لأَنها تُجَلِّلُ الخُلْق فتَعُمُّهم. وغَشَّاهُ تَغْشِيةً إِذا غَطَّاه. وغشي اللّيل أي أظلم كأنه يغطي النهار.
في النهاية تبدو العلاقة بين الإغماء والمجامعة منطقية، لأسباب لا مجال لها هنا. لكن علاقة الإغماء (اللذيذ) المشهود له سياسياً لا تبدو منطقية تماماً، إلا إذا وصلنا فقدان الوعي السياسيّ والثقافيّ بالتعبير العربيّ القديم (لا وَعْيَ لك عن الامر) يعني لا عقل لك ولا تماسك دون الأمر، أي لا بد من معرفة الأمر مهما كانت طبيعته لفهم العالم. في اللسان نقرأ "ويقال لا وَعْيَ لك عن ذلك الأَمر أَي لا تَماسُك دونه" وهذا يعني أن لا عقل لك ولا تماسُك .... بينما أنت في حالة غشيان أو إغماء.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق معرض العراق للكتاب

الأكثر قراءة

العمود الثامن: السعادة على توقيت الإمارات

 علي حسين نحن بلاد نُحكم بالخطابات والشعارات، يصدح المسؤول بصوته ليخفي فشله عن إدارة شؤون الناس.. كل مسؤول يختار طبقة صوتية خاصة به، ليخفي معها سنوات من العجزعن مواجهة واقع يسير بنا إلى...
علي حسين

كلاكيت: عن (السينمائي) وعبد العليم البناء

 علاء المفرجي علاقتي مع (السينمائي) لها حكاية، تبدأ من اختياري لها لكتابة عمودي (كلاكيت) منذ عددها الأول، ولا تنتهي بعددها الأخير. ولئن (السينمائي) تحتفل بعشريتها الأولى، كان لزاما عليّ أن أحتفل معها بهذا...
علاء المفرجي

تركيا تواجه التحول الجيوسياسي الناجم عن عودة دونالد ترامب إلى السلطة

جان ماركو ترجمة: عدوية الهلالي في الأسابيع الأخيرة، ومع ظهور الديناميكيات الجديدة للجغرافيا السياسية لترامب، تركز الاهتمام إلى حد كبير على اللاعبين الرئيسيين في الساحة الدولية، بدلاً من التركيز على دول الطرف الثالث التي...
جان ماركو

منطق القوة وقوة المنطق.. أين يتجه صراع طهران وواشنطن؟

محمد علي الحيدري يبدو أن ملف التفاوض بين إيران والولايات المتحدة دخل مرحلة جديدة من التعقيد، ليس بسبب طبيعة الخلافات القديمة، بل نتيجة تبدّل ميزان القوى الإقليمي والدولي، الذي بات يفرض مقاربة مختلفة عن...
محمد علي الحيدري
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram