TOP

جريدة المدى > عام > بريخت رائد المسرح الملحمي

بريخت رائد المسرح الملحمي

نشر في: 5 مارس, 2018: 06:02 م

 عبدالله حبه 
في شهر شباط الحالي تمر الذكرى ال 120 لمولد الشاعر والكاتب والمخرج المسرحي الالماني يوجين بترهولد فريدريك برتولت بريخت(1898-1966)  الذي أسس نظرية " المسرح الملحمي" وإستخدمها في فضح الحرب والنازية.وبالرغم من الجدل المستمر حول مكانته في تاريخ الثقافة العالمية ، لكنه ما زال  يعتبر بلا ريب أحد أبرز رجال الثقافة في القرن العشرين. كما أن أشعاره ومسرحياته وأبحاثه النظرية لا تفقد قيمتها في هذه الأيام، ولاسيما فيما يخص تناوله لموضوع الحروب وخطرها على الحضارة الإنسانية.

ولربما أن بريخت يعتبر اليوم رجل الثقافة الأول حتى في القرن الواحد والعشرين حين زالت الحدود بين موقف البشرية من الحرب والسلم وراح قادة دول القوى الكبرى يعتبر إراقة الدماء وتدمير المدن الوسيلة الوحيدة لمعالجة الأزمات. وتتواصل في مختلف المناطق الحروب الاقليمية تدعمها الدول الكبرى التي لا تلقي بالا الى آثارها المدمرة بالنسبة الى الإنسانية بل تسعى الى العمل من أجل خدمة مصالحها الضيقة فقط.
لقد دعا بريخت في أشعاره ومسرحياته الى الإلتزام بالعقل لأن التفكير السليم فقط يمكن أن ينقذ البشرية من خضوع الناس الى " اللاوعي الجماعي" والنزعة العنصرية المتمثلة بكيان الدولة النازية التي أثارت أكبر الحروب في القرن العشرين. وينبغي على الأنسان أن يكون قبل كل شيء مواطنا يحب بلاده وشعبه والانسانية جمعاء.
وقد أثرت أفكار بريخت في الحركة المسرحية على معاصريه دورنمات وارتور اداموف وماكس فريش وهاينر موللر وعموما في الحركة المسرحية الاوروبية. علما إنه تأثر في عام 1914 لدى اندلاع الحرب العالمية الاولية بالموجة الشوفينية التي إجتاحت المانيا وحتى نشر المقالات في دعم الحرب. لكنه عندما رأى الآف القتلى في الجبهة والجرحى العائدين من جبهة القتال غير موقفه جذرياً فكتب قصيدته الشهيرة " الأسطورة الحديثة " حول الجنود الذين لا تذرف الدموع عليهم سوى أمهاتهم.
ولا بد من الإشارة الى أن النشاط الأدبي لبريخت الفتي قد بدأ منذ عام 1913 حين نشر في ميونيخ عدة قصائد وقصص ومقالات وملاحظات في النقد المسرحي. ولوحظ تأثره برائد الانطباعية الألمانية فرانك فيديكند . وصار بريخت يجمع الحكايات والأغاني الشعبية الالمانية التي أصبحت مادة لأشعاره وأعماله المسرحية ذات الطابع الملحمي . وبعد إلتحاقه في الجامعة في عام 1917 إستدعي للخدمة العسكرية حيث إلتحق بالسرايا الطبية وألف لأول مرة قصيدته " اسطورة الجندي الميت " التي لحن الموسيقى لها وقام بنفسه بإنشادها مع العزف على الجيتار. وآنذاك انتشرت هذه الأغنية في البارات الادبية في ميونيخ وأنشدها الممثل الشهير إرنست بوش.وفيما بعد كانت هذه الأغنية بمثابة وثيقة الاتهام التي وجهها النازيون الى بريخت لأسقاط الجنسية عنه في عام 1935.
في عام 1918 إنضم بريخت الى الحركة الثورية وشارك في الحفل التأبيني لروزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت ، كما شارك في جنازة كورت ايتر. وبدأ بالتعاون مع صحيفة الحزب الاشتراكي الديمقراطي. لكنه لم يصبح عضواً في الحزب. وفي عام 1921 أدخلته السلطات في القائمة السوداء بالرغم من عدم ممارسته النشاط السياسي.
لقد بدأ بريخت التأليف المسرحي في ميونيخ منذ عام 1919 حين كان طالبا في الجمنازيا. ونشر مسرحيتي " فعل" و" طبول في الليل" وخمس مسرحيات أخرى ذات فصل واحد . وفي عام 1920 زار برلين لأول مرة وحاول الإنضمام الى الاوساط المسرحية فيها لكنه فشل في ذلك . كما حاول العمل ككاتب سيناريو للسينما لكنه فشل أيضاً . لكن مسرح "كومير شبيله" قدم في عام 1922 مسرحيته " طبول الليل" التي لقيت ترحيباً واسعاً لدى الجمهور والنقاد ومنحت جائزة " كليست" . لكن الفاشست عارضوا تقديم المسرحية وهاجموا المسرح ولاحقوا الكاتب.
في عام 1924 قرر بريخت لإنتقال الى برلين كلياً وإلتحق بكلية الفلسفة في الجامعة لمواصلة دراسته وفي الوقت نفسه لممارسة العمل المسرحي . علما أن برلين أصبحت آنذاك عاصمة المسرح في أوروبا وصارت تنافس موسكو التي برز فيها ستانيسلافسكي ونيميروفتش – دانشنكو ومييرهولد. كما برز في برلين نجم ماكس راينهارت وارفين بيسكاتور. ووجد بريخت عملا في " القسم الادبي" في المسرح الالماني.وإنضم الى " مجموعة 1925 " الأدبية . ثم إنتقل الى مسرح راينهارت حيث كلفه المخرج بإعداد النص المسرحي لرواية " مغامرات الجندي الشجاع شفيك " للكاتب التشيكي يان غاشيك.
كانت أعمال بريخت المسرحية المبكرة تتضمن الاحتجاج على المجتمع البرجوازي، بينما عبرت مسرحيته " طبول الليل" عن طيبة الإنسان ، وجسدت الى حدما أفكار ثورة نوفمبر في المانيا. بينما عارض في مسرحياته التالية موجة " المسرح الطبيعي" السائدة في المانيا آنذاك . وطرح لأول مرة نظريته حول " المسرح الملحمي" المتمثلة في مسرحية " فعل". لكن مبادئ "المسرح الملحمي " تشكلت بصورة تدريجية وتحددت معالمها بمرور الأعوام وتغير طابع المسرحيات .
وكتب بريخت في عام 1938 عن سبب انجذاب المشاهد الى المسرحيات البوليسية يقول إن إنسان القرن العشرين يكتسب خبرته الحياتية بصورة رئيسة من ظروف الكوارث، ويضطر بنفسه الى البحث عن أسباب الأزمات والحروب والثورات." لدى قراءة الصحف ( وحتى أوراق الحسابات ، والتبليغات حول التسريح من العمل ، والدعوة الى الخدمة العسكرية وهلمجرا ) نشعر بأن أحدهم فعل أمراً ما .. فماذا فعل ؟ نحن نبتكر في إذهاننا وراء الأحداث التي نبلغ بها أحداثاً أخرى لم نبلغ بها ... وهي تعتبر الأحداث الحقيقية ". ولدى التعليق على هذه الفكرة قال الكاتب فردريك دورنمات في الختام إن المسرح لم يعد قادرا على تصوير العالم المعاصر: الدولة مجهولة وذات سمات بيروقراطية ولا يمكن الإحساس بوجودها ، وفي هذه الظروف لا يستطيع إدراك الفن سوى الضحايا، أما اصحاب الرأي والنهي فلا يستطيعون ذلك" . وقد أراد بريخت البحث عن الوسيلة لتصوير " الإحداث الحقيقية" على خشبة المسرح ، ولو أنه لم يقل بأنه وجدها.. وطرح رأيه في رسالته الشعرية " الى الأجيال القادمة " في أعوام الثلاثينيات والتي حدد فيها موقف عمله الإبداعي من الفاشية ،و كتب لها الموسيقى هانس ايسلر وأنشدها المؤلف نفسه:
"حقا أنا أعيش في أوقات قاتمة ،
الكلمة الخالية من الحقد هي – دليل على الحماقة ، أية أزمان هذه
حين يغدو الحديث عن القرى جريمة
لأنه يتضمن السكوت عن الأفعال الوحشية ".
إن مسرحاتيه التي عرضت في مسرح " كوميرشبيله " مثل حياة ادوارد الثاني الانكليزي" و" الإنسان هو الإنسان " و إزدهار وسقوط مدينة مهاجون " و" حياة غاليلو" و" السيد بونتي وخادمه ماتي" و" الأم كوراج وابناؤها" قد جذبت إليه إهتمام الجمهور الذي وجد فيها مسرحاً جديداً . وفيما بعد عمل بريخت في فرقة " برلينر انسانبل" حيث قدم كمخرج وكممثل
مسرحيات " الأم " و" دائرة الطباشير القوقازية" .
وحازت مسرحياته على الشهرة في خارج المانيا فأخرجت في العواصم الأوروبية وامريكا.وكتبت الناقدة الالمانية كريستينيا ماريانا كيستين في كتابها " بانوراما المسرح المعاصر" أن غالبية الكتاب المسرحيين الموجودين حاليا مصابين ب" مرض بريخت" وعزت ذلك الى كون مفاهمية " متكاملة وتضم الفلسفة والدراما وإسلوب أداء الممثلين ونظرية الدراما ونظرية المسرح ، ولم يستطع أحد تقديم مفاهيم مماثلة. ويوجد حقاً تأثير بريخت في إبداع كثير من معاصريه. لقد كتب بريخت مسرحياته لتعالج قضايا المجتمع اليوم ، وطرح حلمه في أن يتغير العالم ويتخلص من مظاهر الحقد والعنف والحروب.
وهرب بريخت من المانيا في عام 1940 بعد ملاحقة الفاشست للمثقفين الألمان وهاجر الى الولايات المتحدة ولم تعجبه الأوضاع هناك ، فعاد الى زيوريخ حيث أقام حتى نهاية الحرب العالمية الثانية . وبعد الحرب عاد الى المانيا الشرقية حيث مسرح " برلينر انسانبل" ورفض الإقامة في برلين الغربية.
وبعد وفاته واصلت فرقته العمل بإشراف زوجته الممثلة يلينا فايغل ورفيقه اينغل. وزارت الفرقة موسكو في أواخر الستينيات وقدمت على خشبة مسرح ماياكوفسكي مسرحية " الأم كوراج وأبناؤها" التي تدين مشعلي الحروب. ومثلت فايغل فيها دور الأم .فاثار العرض أهتمام الاوساط المسرحية بموسكو وقال المدير الفني لمسرح ماياكوفسكي في حديث صحفي "إن مسرح بريخت هو مسرح المستقبل".

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

مآثر فوق التصوّر

في غياب الأستاذ

وجهة نظر: السينما المُدجَّنة: بيان في النقد

رحيل ناجح المعموري ..حارس الاساطير البابلية

"مذكرات بكويك"… أقرب إلى سينما فيديريكو فيلليني المبكرة

مقالات ذات صلة

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة
عام

مع تباشير العام الجديد عولمة مضادة للسعادات الصغيرة

لطفيّة الدليمي ها نحنُ ثانية على مبعدة ساعات من بدءالسنة الجديدة. أهو حدثٌ كبير؟ جديد؟ يستوجبُ التهيئة المكلفة والتقاليد الإحتفائية المكرورة من سنوات؟ ما الذي يحصل كلّ سنة؟ لا شيء. يتبدّلُ وضع العدّاد ويبقى...
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram