علي رياح
كنت في غاية الحماسة واللهفة وكذلك الفضول ، وأنا أضع نفسي داخل سيارة الأجرة لأقول للسائق : خذني ، أرجوك إلى نادي ريفر بليت!
لم انتبه إلى سحنة السائق أو ملامحه قبل أن أحدد له وجهتي في إحدى ضواحي مدينة بوينس آيرس ، لكن الموقف تطور بسرعة شديدة حين التفت إليّ السائق ليذكرني وجهه بالمطرب اللبناني الراحل نصري شمس الدين وشاربه المفتول المبروم صعوداً نحو الخدين المتوردين اللذين لم ينطفئ فيهما حراك الدم برغم كبر السن!
قال لي بصرامة شديدة ليس فيها أدنى مجاملة لغريب أجنبي مثلي : هل تتحدث الإسبانية؟!
قلت له بلغة إنكليزية يسيرة مبسطة حتى يفهم مرامي أو ردّي : لا .. ولكن لماذا .. العنوان عندك هنا مكتوب على الورقة؟
كان رده بعد ذلك عاصفاً ، إذ قال : لا تعرف اللغة الاسبانية ، وأيضا لا تفهم في كرة القدم .. أوووه يا إلهي !!
كان رفيقي في الرحلة القصيرة إلى ديار ريفر بليت الصديق هيثم عبد الحميد إداري البعثة العراقية المشاركة في دورة الألعاب الأولمبية للشباب ، وانتبهت إلى أنه كان مستغرقا في نوبة من الضحك المتواصل وهو يرى طريقة التحاور بيني وبين السائق ، ولكنه كان يريد أن يعرف كيف وإلى أين ستنتهي حكايتي مع العجوز الذي قام رفيقنا الأرجنتيني بترجمة ما قاله بعد ذلك ، فقد اكتشفت أن السائق مشجع معتـّق متعصب للنادي الغريم وهو بوكا جونيورز .. وبين الناديين ما صنع الحداد ، وما ترك التاريخ من جروح غائرة وأخاديد عميقة لا سبيل إلى ردمها!
كان السائق العجوز يقطع المسافة الطويلة وهو يشوح بيديه ذات اليمين وذات الشمال ، ثم يصفع وجهه ويضرب جبهته ويقول : لقد وصل الجهل بكرة القدم الأرجنتينية إلى الأجانب القادمين إلى أرضنا .. متى يفهمون أن البوكا هو النادي الأبرز والأفضل والأكثر جماهيرية ، متى يتخلون عن نادي الشؤم هذا .. يقصد ريفر بليت!!
بالطبع ، لست أنا من مشجعي أي ناد أرجنتيني ، لكني ومع الإحساس الأول بأن الرجل العجوز يكره النادي الغريم له ، قررت المضي في (اللعبة) والادعاء بأنني من مناصري الريفر من أيام باساريللا وكيمبس وأورتيغا وكريبسو وكثيرين غيرهم....
اوشكنا على الوصول الى مقر النادي الشاهق المنتصب على مساحة مترامية الاطراف..وقبل ان نترجل من السيارة، ادى السائق العجوز فاصلا صاخبا هو الاكثر متعة واثارة، فقد حرص على ان يوقف سيارته عند بوابة النادي وان يرفع عقيرته بالصياح، وكانت عباراته كالتالي:
- سحقا لكم أيها النادي الكريه .. والله لو بقي يوم من عمري ، لن أشعر إزاءكم إلا بالكراهية .. اذهبوا إلى الجحيم .. المجد لبوكا جونيورز نادي الفقراء .. اللعنة على ريفر بليت نادي الكروش المتهدلة وعلى كل من يحبه أو يتعاطف معه!
أسرعت إلى دفع الأجرة والانسحاب من المشهد تماماً .. فقد خرج حرس النادي وبعض إدارييه ليسمعوا ما يخدش السمع والحياء .. أما أنا وصديقي هيثم والمترجم الأرجنتيني ، فقد أطلقنا لهم ضحكة خافتة باهتة تعبيراً عن براءتنا مما اقترفه لسان ويد وشوارب مشجع البوكا ، وباشرنا في التقاط الصور عند المدخل ، من دون إكمال رحلتنا داخل النادي خشية أن تصيبنا شظايا حروب البوكا والريفر !










