TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: نرفع من شأنه دماً وبطولات

قناطر: نرفع من شأنه دماً وبطولات

نشر في: 10 ديسمبر, 2019: 09:00 م

 طالب عبد العزيز

منذ عقود طويلة، والعراق لم ينتج زعيماً شريفاً ووطنياً حقيقياً، ومنذ عقود أيضاً، ظلت متوالية السوء تلاحقه، نعم، منذ تأسيس الدولة العراقية الى اليوم لا يمكننا الاحتفال باسم طاهر، نبيل واحد منهم ،

ومن أحب استثناء نوري السعيد أو عبد الكريم قاسم أو صدام حسين فهذا شأنه، أما في فترة الستة عشر عاماً الماضية، فالعراق أنتج لنا أحط وأسوأ السياسيين في العالم، وفي حقبة تعدُّ أكثر ظلاماً وتخلفاً ودمويةً، إذ لم تشهد حقبه سيئة السمعة مثلما شهدته خلال السنوات هذه.

لكنَّ الشعب العظيم هذا انجب لنا قافلة من العظماء، وتربع على عرش العظمة في مفاصل كثيرة من سيرته، وعبر أجيال من الكبار، الكبار الذين، حدثتنا الكتب عنهم، أو أدركنا بعضهم، بغض النظر عن موقفنا السياسي والاجتماعي والثقافي منهم. هذا وطن يسع بعظمته الجميع، فإذا بالغت مجموعة على قيمة علي بن ابي طالب فيه، ستبالغ أخرى بقيمة عبد الكريم قاسم أو مصطفى جواد فيه، وإن حطّت جماعة من شأن نوري السعيد فإنها، ذات المجموعة، لن تختلف مع غيرها على قيمة الجواهري فيه، أو الأب ماري انستاس الكرملي، وحين نتصفح تاريخ البلاد العظيمة هذه بأعين وأقلام العرب، سنجد إنها منارة للمجد، وامة كبيرة، نالها من الحيف الكثير، وغمط حقها كثيرون.

واضح أننا لم ننتج زعيماً سياسياً يستحق الاحترام، بل وليس لنا في السياسة من شيء يُحترم، إذ كل الذين تناوبوا على حكم العراق، ومنذ حقب سحيقة كانوا قتلة وسفاحين ، ولا نستثني الذين قدسهم الذاكرةُ الشعبية منهم أبداً، نحن أمة أنتجت من السيّافين والمتعطشين للدم أكثر مما غُرس في أرضها من نخل، ومن الخونة والعملاء والاذناب في الفترة الأخيرة بخاصة، ما فاق عدد أشجار البرتقال في ديالى والرمان في كربلاء، لكنها، ذات الأمة المعطاء هذه، انتجت لنا من الأبطال والشهداء والصديقين ما فاق هؤلاء مجتمعين. فهل نحن أسوأ أمة بحق أم نحن أعظم أمة؟

ما ذنب شعب جميل سقت أرضه نهرين عظيمين، وكتبَ بطينته أول حروف الابجدية في التاريخ، وخُطّت على ألواح مسلاته أولى القوانين، وغرست في أرضه أكرم الأشجار، وصنع رجاله أروع الملاحم والقصص، التي تباهي بها التواريخ، وحقق أبطاله أجمل البطولات، وقارع مناضلوه أقبح الانظمة، ودحر شبابه اعتى النظم والمنظمات المتطرّفة، ورسم فنانوه أجمل اللوحات، وكتب شعراؤه أهم وأجمل القصائد. فلا غَيرة لأحد كغيرة العراقيين على أهلهم وبلادهم، ولا كرم لأحد والعراقيون أحياء، ولا سماحة في روح إلا وكانوا عنوانها، ولا فرح إلا وكانوا ربابته الأولى، ولا شجن في نفس إلا ولهم فيه نصيب، ولا دمع في عين كالذي يتصبب من أعين امهاتهم.

نعم، نحن أمة بالصفات النبيلة هذه، وعلى الجمال والعظمة تلك ، لكننا بالحكام السفلة أولئك، يقتلوننا فنزداد حياةً وجمالاً، ويفتكون بنا فنعلوا بأجساد شهدائنا على هاماتهم، ويحطون من شأن العراق بنذالتهم وخستهم، فنرفع من شأنه شعراً ودماً وبطولات.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

 علي حسين في رواية ميرمار للروائي النبلي نجيب محفوظ نجد الصحفي المتقاعد عامر وجدي يعيش حالة من القلق على مصير البلاد، يقول: "منذ أن ظهرت عندنا الثورة والديمقراطية والناس تصفق وتغني على كل...
علي حسين

قناطر: سدٌّ مشترك مع إيران ينهي أزمة المياه في البصرة!!

طالب عبد العزيز إذا كانت تركيا لا تستجيب الى رغبة العراق في ابرام اتفاقية مياه مشتركة، أو أنها تسعى لضمانات نفطية، وربما تستخدم الماء ورقة ضغط سياسية، لما تعاني منه على الحدود، وهي من...
طالب عبد العزيز

غموض "في مستقبل العلاقة الامريكية – الايرانية- الشرق اوسطية"

د. أحمد عبد الرزاق شكارة فتح لقاء عمان غير المباشر بين وفدي الولايات المتحدة الامريكية وايران مرحلة جديدة من التفاوض المتوقع أن يكون جديا ومسؤولا حول 3 ملفات طرحت من قبل الوفد الامريكي والايراني...
د. أحمد عبد الرزاق شكارة

الشرق الأوسط بين توازنات القوى ومتطلبات الأمن الدولي

محمد حسن الساعدي يمر الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية، تتشابك فيها خيوط السياسة والدبلوماسية ببارود المدافع، حيث لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في جبهة دون غيرها، فصارت المنطقة وكأنها تعيش حالة من "السيولة العسكرية" التي...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram