TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: في معنى الانتماء للوطن

قناطر: في معنى الانتماء للوطن

نشر في: 8 سبتمبر, 2020: 06:45 م

 طالب عبد العزيز

كانت ماري انطوانيت(1700-1793) أميرة نمساوية من آل هابسبورك قبل أن تصبح زوجة للأمير لويس السادس عشر(1754-1793) ومن ثم ملكة على عرش فرنسا كلها قد أمضت نصف حياتها وهي لا تشعر بانتماء حقيقي لفرنسا،

وظلت تنفق ما تتناوله يدها على ملذاتها في الثياب والجواهر وحفلات القمار الليلية وغيرها في فعل لا يخلو من انتقام مبطن وقطيعة عدوانية بين انتمائها الأول للنمسا ووجودها الملكي بفرنسا، الذي لم يلمس عمق الخلاف الدامي الأزلي فرنسا وآل بوربون من جهة والنمسا وآل هابسبورك من جهة ثانية حتى لحظة سقوط باريس بيد الثورة الفرنسية.

مثل ماري انطوانيت التي لم تشعر يوماً بانتمائها لفرنسا ، لم يشعر غالبية الزعماء العراقيين الذين دخلوا بغداد على الدبابة الامريكية بانتمائهم للعراق، فهم أبناء البلدان التي جاؤوا منها، بعد طول عيش رغيد هناك، وبعد انتماء الى المنازل التي آوتهم، وتنعموا فيها بالعيش الكريم الآمن، ولعل ما كانت تنفقه ماري انطوانيت على نفسها يذكرنا بالمال الذي أنفقه هؤلاء في العراق وخارجه، ويجعلنا نتأمل الصورة التي يعلقونها بأذهانهم على إدامة ثراء أسرهم، من خلال تأسيسهم الشركات والفنادق والبيوت التي اشتروها بالمال العراقي. هؤلاء، لم ينتموا للعراق يوماً، ولا يعنيهم من شأن البلاد أمراً، فقد نشؤوا متنعمين هناك، في الغرب الأوروبي الجميل أو في المدن الاميركية بنمطها الحياتي المعروف، أو في إيران التي عمقت شعورهم الطائفي والمذهبي وسلختهم عن عراقهم الذي كانوا فيه، أو في دبي واسطنبول وغيرها وكلها مدن تختلف بطبيعتها الجغرافية والإدارية عن بغداد والمدن العراقية المحترقة الأخرى.

ليست الأوطان خرقة تمسح بها رائحة الخيانة وترمي بها في سلة النفايات، ولا يشعر بالوطن إلا من تقلب على رمضائه واكتوى بنار وجوده فيه، إلا من يتحسس بأن كل قطعة من أرضه ومياهه وسمائه إنما هي قطعة من لحمه ودمه وكينونته، التي لا يجدها إلا فيه. أتذكر جملة النائب حيدر الملا:" كل الطبقة السياسية رتبت أمورها" إعتراف خطير بتنكر كامل للوطن، فترتيب الأمور لا يعني البقاء في الوطن، إنما خارجه، فالوطن غير آمن، ولا يصلح للعيش بعبارة سامي العسكري حين سُئِل عن حياة ومستقبل أولاده.

مازال سكان البصرة يتذكرون امتلاء ردهة العناية المركزة بمستشفى البصرة العام بعشرات الملاكين والفلاحين، الذين جرّفت الشفلات بساتينهم، وأسقطت النخل وأشجار الفاكهة في الحملة المعروفة بفتح طريق نيسمي يمكّن الجيش من الحركة ومواجهة العدو الايراني في حرب الثماني سنوات. لم يتمكن هؤلاء من معاينة مشاهد ردم الأنهار وتجريف الأرض وهي تخلوا من النخل فسقطوا صرعى الحب والانتماء والعشق. ولن أنسى ما حييت (الملّا خضير) الذي لم يعش أربعين يوماً بعد تجريف بستانهم، فقد سقط مغشياً عليه ولم يُرَ إلا جثة هامدة. لأنه لم يتحمل رؤية النخل الذي غرسه أشلاء تمزق. هؤلاء هم عراقيو الأرض بحق، انتموا للأرض التي عاشوا فيها، ولم يروا بلاداً غيرها، لذلك اخلصوا لها.

هل صار العراق طارداً لسكانه؟ مكان لا يصلح للعيش بتعبير بعض التقارير ؟ ربما، ذلك، لأنَّ حكامه ارتكبوا الجرم الأكبر فيه، فهم الذين جعلوه منطقة طاردةً باهمالهم له، وبتخريبهم لأنسانه ومدنه وطبيعة مناخه أيضاً. الإنسان بفطرته وطبعه ميال الى الحياة الآمنة والمدن النظيفة وفرص العمل الحر والعيش الكريم، وكذلك الى المناخ المعتدل والطبيعة الجميلة، وغيرها من ممكنات الحياة، لكنَّ حكام العراق وعلى مدى سبعة عشر عاماً امعنوا في تخريب كل شيء، ما قام به حكامه الغرباء أسوأ بكثير مما عملته ماري انطوانيت في فرنسا.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

 علي حسين في رواية ميرمار للروائي النبلي نجيب محفوظ نجد الصحفي المتقاعد عامر وجدي يعيش حالة من القلق على مصير البلاد، يقول: "منذ أن ظهرت عندنا الثورة والديمقراطية والناس تصفق وتغني على كل...
علي حسين

قناطر: سدٌّ مشترك مع إيران ينهي أزمة المياه في البصرة!!

طالب عبد العزيز إذا كانت تركيا لا تستجيب الى رغبة العراق في ابرام اتفاقية مياه مشتركة، أو أنها تسعى لضمانات نفطية، وربما تستخدم الماء ورقة ضغط سياسية، لما تعاني منه على الحدود، وهي من...
طالب عبد العزيز

غموض "في مستقبل العلاقة الامريكية – الايرانية- الشرق اوسطية"

د. أحمد عبد الرزاق شكارة فتح لقاء عمان غير المباشر بين وفدي الولايات المتحدة الامريكية وايران مرحلة جديدة من التفاوض المتوقع أن يكون جديا ومسؤولا حول 3 ملفات طرحت من قبل الوفد الامريكي والايراني...
د. أحمد عبد الرزاق شكارة

الشرق الأوسط بين توازنات القوى ومتطلبات الأمن الدولي

محمد حسن الساعدي يمر الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية، تتشابك فيها خيوط السياسة والدبلوماسية ببارود المدافع، حيث لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في جبهة دون غيرها، فصارت المنطقة وكأنها تعيش حالة من "السيولة العسكرية" التي...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram