TOP

جريدة المدى > أعمدة واراء > قناطر: الجسد مطوقاً .. أو في رثاء الجمال

قناطر: الجسد مطوقاً .. أو في رثاء الجمال

نشر في: 13 أكتوبر, 2020: 07:04 م

 طالب عبد العزيز

كثيراً ما يبعث لنا أصدقاؤنا من فردوسهم اللاتيني البعيد صوراً لشوارع وحدائق وغابات جميلة، أو مقاطع فيديوية لحفلات موسيقية راقصة، يتخللها لهو بريء. رجال ونساء من مختلف اللغات والجنسيات والألوان، تجمعهم طاولات الأطعمة والأشربة،

ويفاخرون بعضهم في حسن هذه وتلك، ولا نظنهم يزيّفون حياتهم هناك، فقد نقلت السينما وأجهزة التلفزيون جوانب مشرقة أكثر، وبطبيعة الحال فأن هذا لا يعني أن الحياة هناك خالية من الكدر والمنغصات، فالحياة هي هي في كل مكان وزمان، فيها السعد والسرور مثلما فيها الغم والكدر، لكنها تتباين وتختلف من مكان الى آخر.

لن أسأل السؤال التقليدي الذي يقول: ترى لماذا نحن بهذا التجهم والكمد والحزن؟ فالإجابة هنا ستذهب الى الميثلوجيا الرافيدينة والحزن العاشورائي، واستثمار السياسة في الدين والتركيبة الاجتماعية القبلية القبيحة، والى ما شاء الله من الأسباب. لكنني، سأذهب الى الحقيقة المطلقة في النفس الإنسانية، المتعلقة بحب الحياة، والبحث عن أسباب وجودنا فيها، فالقاعدة في ذلك تقول بأنَّ الانسان حرٌّ في وجوده، ويريد من مسعاه في الحياة أن يكون سعيداً، آمناً، مطمئناً، فرحاً .. الخ ترى، لماذا لا يعمل على تحقيق ذلك، وهو متاح بحكم درايته وفهمه، قبل تدخل الموانع والحجب؟ 

كل مؤشرات الحق تقول بأن العقل أرقى في الخير، وهو أقبح في الشر، وأن الجسد أجمل في الرقص والتناغم، وهو أقبح في الكسل والخمول، وأن العين في الابتسام أجمل منها في الدمع، والروح ترتقي بأفعال الجمال، لكنها تذبل في البغض والكراهة.. ترى لماذا نستخدم العقل للشر، ونكبل الجسد بالقيود التي نصنعها بأيدينا؟ ونجعل العين دامعة أبداً، ونجعل من الروح وعاء لنبذ وكراهية الآخر؟ لماذا؟ والفرص في صناعة الخير وأسباب الجمال متاحة لنا جميعاً، والحصول عليها سهلٌ ولا يكلف المال والجهد.

ولأنني، حالم وباحث أبدي عن السعادة، فقد قلت ذات يوم بأنَّ شعر المرأة المطلق في الريح يمنحنا ما لا تمنحنا إياه الخرق السود التي تضعها على رأسها، وأن كأس النبيذ، بلونها الخمري، وبفعلها في الروح، أصفى بكثير من كؤوس الذّل والصبر التي نتجرعها بإرادتنا كل يوم، وأن أسيجة المنازل بورودها وألوانها وروائحها أخف على الروح من يافطات الموت التي نطالعها عليها، ولا أستحي من قولي بأنني بحاجة الى الموسيقى المنبعثة من حديقة دار الاوبرا أكثر من حاجتي لصوت مؤذن المسجد ورادود الموكب، لعلمي بأن الطرق التي تؤدي الى الله كثيرة، لاتحد.

أريدُ مدناً لا أقرأ على حيطانها نعياً لقتيل مغدور، ولا يترصدني أحدٌ في شوارعها المظلمة، مدناً لم تتلوث سماواتها بغربان آدميين، فأنا، ومنذ ولدت أكره السير في أزقة لا حدائق في بيوتها، ولا نساء جميلات يطلن من شرفاتها، ولا صبايا مفتونات بأشرطة ملونة يرقصن في باحات مدارسها، وما أجملها من ضواحي، تلك التي يتبادل سكانها القبل علناً في الملاعب والمتاجر والحدائق العامة، ولست متوحشاً بما يكفي لئلا تدمع عيني في حضرة عاشقين متعانقين على جسر، ولا أقرب لنفسي مشهداً من رؤية السواحل المزدحمة بالمستحمات والمستحمين، هناكن حيث يكون الجسد مجرداً من محمولات الوقار والتمنع. التيه في الغابة ليلاً أقرب لروحي من وصولي الآمن الى غرفتي في فندق المدينة. ترى، لماذا تجبر ابنتي على ارتداء قميص لا أزهار فيه، ولماذا أخشى على زوجتي، كلما تأخرت في عيادة الطبيب؟ ولأجل منْ تجري دموع ابني؟ أحدهم ضرب كلب جيراننا، ذا الشعر المنسرح الطويل، صوته المبحوح يجرح قلبه الآن.

هناك من يشوه انسانيتنا باسم الرب والاضرحة والقبائل، وتفزعني مشاهدُ الحِملان المساقة الى المسلخ، ومسكينة تلك الببغاء التي في قفصها، يقولون بانها: داعرة، هناك من علمها الشتائم، ألا ترون معي بانَّ ثياب السهر الشفافة والملونة أجمل بكثير من ثياب المآتم السود، الوقورة، ما ابشعنا في توقيرنا للقبح.

انضم الى المحادثة

255 حرف متبقي

ملحق منارات

الأكثر قراءة

العمود الثامن: المالكي أمس واليوم وغدا

لعنة الموارد وتزييف الوعي الجمعي

السياسة الأمريكية الجديدة: عداء للاختلاف وتدخُّلٌ في شؤون الدول

العمود الثامن: لا سمع ولا طاعة

فيتو ترامب.. وللعراقيين فيتوات أيضاً

العمود الثامن: لكم ملياراتكم ولنا الحصار!

 علي حسين في رواية ميرمار للروائي النبلي نجيب محفوظ نجد الصحفي المتقاعد عامر وجدي يعيش حالة من القلق على مصير البلاد، يقول: "منذ أن ظهرت عندنا الثورة والديمقراطية والناس تصفق وتغني على كل...
علي حسين

قناطر: سدٌّ مشترك مع إيران ينهي أزمة المياه في البصرة!!

طالب عبد العزيز إذا كانت تركيا لا تستجيب الى رغبة العراق في ابرام اتفاقية مياه مشتركة، أو أنها تسعى لضمانات نفطية، وربما تستخدم الماء ورقة ضغط سياسية، لما تعاني منه على الحدود، وهي من...
طالب عبد العزيز

غموض "في مستقبل العلاقة الامريكية – الايرانية- الشرق اوسطية"

د. أحمد عبد الرزاق شكارة فتح لقاء عمان غير المباشر بين وفدي الولايات المتحدة الامريكية وايران مرحلة جديدة من التفاوض المتوقع أن يكون جديا ومسؤولا حول 3 ملفات طرحت من قبل الوفد الامريكي والايراني...
د. أحمد عبد الرزاق شكارة

الشرق الأوسط بين توازنات القوى ومتطلبات الأمن الدولي

محمد حسن الساعدي يمر الشرق الأوسط بمرحلة مفصلية، تتشابك فيها خيوط السياسة والدبلوماسية ببارود المدافع، حيث لم تعد التهديدات الأمنية محصورة في جبهة دون غيرها، فصارت المنطقة وكأنها تعيش حالة من "السيولة العسكرية" التي...
محمد حسن الساعدي
linkedin facebook pinterest youtube rss twitter instagram facebook-blank rss-blank linkedin-blank pinterest youtube twitter instagram