1-2
حيدر نزار السيد سلمان
كان كلّ شيء هادئاً في مدينة النجف إلا نشاط جمعياتها ومطابعها وصحفها وصخب مثقفيها الباحثين عن الجديد والمثير في عالم المعرفة، وكانت المدينة تمور بالصراع النخبوي الثقافي وكان بشرها يقرؤون ويتهافتون على كلّ شيء مقروء وفيهم خصال حبّ الإطلاع والإستطلاع والتقصي والحفر والمعرفة.
كلّ كتاب كانت أوراقه تتهرأ من القراءات المتتابعة، فلكلّ شخص يومان لا أكثر لقراءة كتاب، فهناك من ينتظر دوره ليقرأ ويقرأ، تتمزق الأوراق فيلجأ أصحابها إلى التجليد حفاظاً على ما بداخلها، الآن أوراق كتبنا بيضاء ناصعة لم تتداولها أصابع القراء تبحث عن أنامل خشنة ومترفة تقلبها الواحدة تلو الأخرى. لا شيء يحدث إلا القليل الشحيح، وفي المدينة التي شحَّت فيها وسائل الترفيه، كثرت المكتبات والصُّحُف والمجلات وأنشأت فيها المطابع لتساعد في تغذيتها، ومُدُن العراق الأخرى بالمزاد الفكري والثقافي، وكان لهذه المطابع صيت وصدى. وفي المدينة التي اصطفَّت فيها البيوت كالجحور كان هناك من يفتّش عن الجديد من المعارف والثقافات وحتى الأيديولوجيات السياسية، ولكن في الزمن الراهن حينما اتسعت البيوت وشاعت شبكة الاتصالات؛ انحسرت روح الابداع وامتهن بعض نخبتها سياسة التزلّف وحبّ الهدوء والسَّفرات العائلية والبحث عن الانسجام، فذهب خلق المعرفة وانزاح الشكّ لتقبض النخبة على اليقين.إن الرفاهية وخلو الحياة من إرادة البحث والتنقيب والتعرّف على المجهول هي الأصل، فأصبح التراث والمعارف المتراكمة يغطيها غبار الكسل والجمود وكأنّها أطلال شاخصة لا يحرّك أحدٌ مداركه وعقله وروحه ونظره لرؤيتها وتقصّيها تجديداً وخلقاً، فأوهمت النخبةُ مخيّلتها أنها منقطعة بالحداثة والتجديد، لكنّها فقدت بوصلتها وانسلخت وأمست تعيش في تناقض وجدانيّ كارثيّ يفيض جهلاً وأميّةً وخداعاً للعقول المصاغة حسب الطلب. كانت المدينة تشهد صراعاً سياسياً ايديولوجياً محتدماً في عقدَي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، فالشيوعيون وأنصارهم كانوا متمترسين في الأزقّة الضيّقة لطرفَي الحويش والبراق، فيما اتخذ القوميون والبعثيون من طرف العمارة حصناً لهم. كان حسين روضة الشيوعي وعامل النسيج عقائدياً صلباً في التمسك بأيديولوجييته، وفي المنطقة التي تنتشر فيها معامل النسيج اليدوية أخذت الأفكار الشيوعية بالانتشار، وكان حسين روضة من ضمن أولئك الذين استهوتهم وزادت من صلابتهم العقائدية. و كان شعلة في عمله الحزبي، في الوقت الذي تشرب هذه الأفكار كان يبحث عن كل جديد رغم بساطته. وتصدَّر علي السيّد سلمان الخلايا الحركية الناشطة للشيوعيين في المدينة، وكان نشاطه الحزبي قد أرعب سلطات الأمن التي وجدت في مطاردته مضيعة للوقت، فهو يستند إلى شخصية قوية ومتمرّسة باحتراف العمل الحزبي السرّي مع امتلاكه قدرات قيادية وتحشيدية في التظاهر وتحريك الأنصار، بل كان متسماً بجاذبية وجد الشباب النجفي فيها صفات الفتوّة والقوّة والمهارة في الإفلات من مصائد الشرطة السريّة والأمنية. ويتحدّث حنّا بطاطو في كتابه (العراق) عن استناد علي عبود السيّد سلمان على قوّة أسرته المرهوبة الجانب والمتسيدة للمدينة في تلك المدة التاريخية، وفي جانب آخر كان القوميون والبعثيون قد اشتهروا بالنزعة العشائرية وقلّة المعرفة والثقافة ولجوئهم إلى العنف في سلوكياتهم. لكن الإثنين توحدا في قضية حرب 1956 على مصر وقادا تظاهرات منددة بالعدوان الثلاثي. ومن وحي هذا الصراع والانغماس في الأيدلوجيات والأفكار كانت الثقافة النجفيّة تزدهر وتتبرعم أغصانها وكانت النخب تنكب باجبارية ورغبة على القراءة والابداع والمتابعة وتحقيق تراكم معرفي. التقت النخب الراهنة على حافة حادّة في تناقض مع النفس والمجموع، فهنا تبدوا الصّورة الخاصّة بالمشهد النخبوي والثقافي ملبّدة بغيوم لا نكاد نرى من هو الفاعل الحقيقي والمثقف الواعي إلا لماماً، ومِمَن يعيشون القلق والحيرة والشكّ وعدم اليقينية بالمعارف المكتسبة، فهم كالنّار تريد المزيد من الوقود لتزداد اشتعالاً، فهي نخبة لكنّها تفقد قوّتها المجتمعية مثلما كان لتلك النخبة في عقدي الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين. ويمكن لنا أن نقبض على أسماء رموز حققت بنشاطها انجازاً ما في مجال ما، ويسرد محدثي أسماء كعناوين لتيارَين عابثَين بأمن المدينة الفكري، ففي ضفّة النهر اليمنى يقف بعثيون: عبد الحسين الرفيعي، صدقي أبو طبيخ، مهدي الشوكي، مهدي الشرقي، كاظم نعمة، محسن الشيخ راضي، وقوميون: جواد دوش، عبد الإله النصراوي، عبد الرزاق محيّ الدين، أحمد الحبوبي، أحمد الجزائري. وفي الضفّة اليسرى يقف شيوعيون نجفيون:حسين الرضي، حسين عوينة علي السيّد سلمان، خليل جميل، رضا عجينة، محمود صالح الجد. ومع مجرى النهرالثقافي تنساب مياه الثقافة النجفيّة متلاطمة، ومن صراعها وتلاطمها تظهر طاقات جديدة، وأفكار حديثة.
النجف الأشرف التي قادت الثقافة ورفعت من شأنها، تعاني اليوم من ضياع ثقافي وما نراه لا يمثل إلا خيوطاً واهية تتقطع في لحظة سريعة، فالمدينة التي راودتها الحداثة والتجديد والتمدن تغطّ ثقافتها الآن في سبات، فلا نرى إلا ترديداً ومحاكاة وتقليد الآخرين، المدينة الآن تعيش في لحظة مفصلية في ثقافتها ودورها التاريخي، وابتعدت عن الحوارات الفكرية والعقائدية مع الآخر المختلف بروح منفتحة وقابلة للتفاهم وتظهر لنا في هذا السياق الحوارات التي أجراها عبد الحسين شرف الدين مع شيخ من شيوخ الأزهر التي تتوجت.











جميع التعليقات 1
هندي ابوكلل
بارك الله بيك دكتورنا الفاضل